رصد المغرب / تقرير خبري /
تواجه العاصمة المالية باماكو ضغوطا متزايدة بفعل اضطراب إمدادات الوقود والطرق، في وقت تكثف فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، عمليات قطع الطرق وخنق خطوط الإمداد. وفي المقابل، يواصل الجيش المالي و(الفيلق الإفريقي) الروسي توجيه الجزء الأكبر من عملياتهما نحو الشرق، ولا سيما منطقة مينكا، حيث ينشطان ضد تنظيم الدولة.
وتطرح هذه المفارقة سؤالا مركزيا: لماذا تختار القوات الحكومية وحليفها الروسي مواجهة خصم في جبهة بعيدة نسبيا، بينما تتجنب التصعيد المباشر ضد الجماعة التي تضغط على العاصمة؟ وترى الورقة محل الدراسة أن الإجابة لا ترتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من الاعتبارات العسكرية والسياسية والاجتماعية والبنيوية المتداخلة.
يمثل تنظيم الدولة في منطقة مينكا، القريبة من الحدود المالية-النيجرية، تهديدا عسكريا تقليديا في بيئة صحراوية مفتوحة. ويخوض التنظيم مواجهات مكشوفة، ما يجعله أكثر عرضة للرصد والاستهداف بواسطة الطائرات المسيرة والقصف الجوي والعمليات البرية التقليدية.
وتختلف هذه المواجهة عن طبيعة القتال ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تعتمد، على الاندماج في المجتمعات المحلية والاستفادة من الشبكات القبلية. وبذلك تبدو جبهة تنظيم الدولة أكثر ملاءمة لقدرات الجيش المالي والفيلق الإفريقي، لأنها تتيح خوض معارك واضحة المعالم وتحقيق نتائج ميدانية قابلة للعرض والتوثيق.
لا تقتصر أهمية العمليات في الشرق على الجانب العسكري إذ تمنح مواجهة تنظيم الدولة كلاً من باماكو والفيلق الإفريقي فرصة لتقديم القتال باعتباره جزءا من (الحرب على الإرهاب العالمي). هذا الخطاب يوفر للمجلس العسكري الحاكم في مالي غطاء سياسيا دوليا، كما يمنح الوجود الروسي مبررا إضافيا.
أما الاعتراف بصعوبة مواجهة جماعة تحاصر العاصمة وتقطع إمداداتها، فقد يحمل السلطات المالية وحليفها الروسي كلفة سياسية مرتفعة. وتذكر الورقة أن مسؤولين روسا نفوا، عقب هجمات في أبريل/نيسان، وقوع إخفاق عسكري، ووجهوا اتهامات إلى قوى غربية بتدريب المهاجمين. ويعكس ذلك، وفق المصدر، أولوية الحفاظ على صورة الفاعلية والردع بدلاً من الإقرار بوجود مأزق ميداني في مواجهة الجماعة المسلحة.
تربط الورقة صعوبة استهداف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقدرتها على بناء حاضنة اجتماعية محلية، مستفيدة من مظالم تنسب إلى القوات المالية والروسية بحق جماعات محلية، من بينها الفولانيون والطوارق. استطاعت الجماعة تقديم نفسها بديلا عن دولة ينظر إليها بعض السكان باعتبارها مصدر اضطهاد، مع الجمع بين الحضور الشعبي وتطبيق مرن للشريعة وتوفير بعض أشكال النفوذ والخدمات.
كما غيرت الجماعة، أسلوب عملها من السيطرة العلنية على الأراضي إلى استراتيجية تقوم على خنق الدولة عبر قطع الطرق والإمدادات. وتقلل هذه الاستراتيجية من فاعلية القصف والطائرات المسيرة، لأن مواجهة تنظيم متجذر في النسيج الاجتماعي تحتاج إلى معلومات استخبارية دقيقة وأدوات مدنية وسياسية، وهي أدوات لا تتوافر بالقدر نفسه لقوة صُمّمت أساساً لحماية الأنظمة وخوض المعارك المفتوحة.
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أعلنت، بعد هجمات أبريل/نيسان، استعدادها لتحييد الوجود الروسي مقابل عدم استهدافها، وفتحت الباب أمام تنسيق أو تفاهمات مستقبلية. وترى أن هذا الطرح قد لا يكون مجرد مناورة تفاوضية عابرة، بل قراءة من الجماعة لطبيعة الشراكة الروسية-المالية وحدودها.
موسكو المنشغلة بحرب أوكرانيا والمتأثرة بتراجع قدراتها الميدانية في مالي، قد تفضل الحفاظ على المجلس العسكري الحاكم بدلا من خوض حرب استنزاف مفتوحة بهدف تحقيق انتصار شامل. ومن هذا المنظور، قد يبدو التركيز على تنظيم الدولة، مع تخفيف حدة المواجهة مع الجماعة المرتبطة بالقاعدة، خيارا قصير الأمد يحد من الخسائر ويحافظ على الوجود الروسي، خصوصا مع وجود نافذة محتملة للتفاوض.
أداء الفيلق الإفريقي يكشف، خللا بنيويا يتجاوز سوء التقدير الظرفي. فالفيلق، وفق المصدر، صمم لحماية الأنظمة وتأمين الموارد والسيطرة على السكان بالقوة، لا لبناء استقرار طويل الأمد أو كسب ثقة المدنيين، وهي أهداف تختلف جوهريا عن متطلبات مكافحة التمرد.
وبسبب مقتل أكثر من 80 عنصرا في كمين تنزواتين في يوليو/تموز 2024، دفعت الفيلق إلى تقليص انخراطه المباشر في المعارك، والاكتفاء بدرجة أكبر بالبقاء داخل قواعده وتشغيل الطائرات المسيرة دعما للدوريات المالية. كما تربط بين الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المالية والروسية، ومن بينها أحداث مورا عام 2022 التي ُتل فيها مئات المدنيين ، وبين اتساع المظالم المحلية وتآكل شرعية الدولة وتسهيل تجنيد المتمردين.
اما هجمات أبريل/نيسان شهدت، انسحاب عناصر من الفيلق من كيدال، ما ترك القوات المالية في مواجهة منفردة. وهذا دليلا إضافيا على أن الأولوية العملية للفيلق تتمثل في ضمان بقاء المجلس العسكري، لا في تحقيق نصر حاسم على الجماعات المسلحة.
القوات مالية وروسية تقاتل في الجبهة التي تملك فيها أدوات عسكرية وسياسية أوضح، لا في الجبهة التي تمثل الخطر الأكبر على العاصمة. فالجبهة الشرقية ضد تنظيم الدولة تتيح معارك مكشوفة وانتصارات قابلة للتصوير والتسويق، بينما تفرض جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نمطا من الحرب غير المباشرة، يعتمد على الحاضنة الاجتماعية واستنزاف الدولة وقطع الإمدادات.
إن اختيار مواجهة تنظيم الدولة بدلا من فتح معركة شاملة ضد الجماعة المرتبطة بالقاعدة لا يبدو استراتيجية بعيدة المدى بقدر ما يمثل (هروبا إلى الأمام) إذ تبحث باماكو عن خصم يمكن هزيمته وإعلان الانتصار عليه، فيما يفضل الفيلق الإفريقي الروسي مهمة محدودة تحافظ على وجوده وتقلل كلفته. وفي هذه الأثناء، تواصل الجماعة توسيع نفوذها داخل الفراغ الأمني والاجتماعي المحيط بالعاصمة.
شارك المقال























Leave a Reply