رصد المغرب / متابعة خاصة /
يشهد سوق الشغل في المغرب مفارقة لافتة، تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، مقابل تفاقم النقص في اليد العاملة بعدد من القطاعات، خاصة البناء والزراعة ومصانع أسلاك السيارات في شمال المملكة، حيث باتت الشركات والمقاولات تواجه صعوبات متزايدة في استقطاب العمال والاحتفاظ بهم.
وفي قطاع البناء، سجلت أجور العمال ارتفاعا ملحوظا، إذ بلغ متوسط الأجر اليومي نحو 220 درهما، بحسب مهنيين في القطاع، مع تفاوت المستويات حسب المناطق وطبيعة العمل. ويؤكد الاتحاد الوطني لمطوري العقارات وجود خصاص حاد في العمالة الماهرة، بعدما تضاعفت تقريبا تكلفة اليد العاملة مقارنة بالسنوات الماضية.
وأمام صعوبة العثور على حرفيين مؤهلين، يضطر بعض المنعشين العقاريين إلى إسناد مهام تتطلب خبرة إلى عمال أقل تأهيلا، الأمر الذي يرفع تكاليف إنجاز المشاريع، خاصة في ظل ارتفاع أسعار مواد البناء، وهو ما قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السكن.
ولا تختلف الصورة كثيرا في القطاع الزراعي، حيث ساهمت سنوات الجفاف المتتالية في تقليص فرص العمل بالوسط القروي ودفع عدد من سكان المناطق الريفية إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن مصادر دخل بديلة. حيث في المقابل، أدى انتشار العمل بالقطعة إلى ارتفاع كلفة اليد العاملة خلال فترات الذروة الزراعية.
وبحسب معطيات مهنيين، أصبح نظام العمل بالقطعة يشمل نسبة كبيرة من العمال الزراعيين، فيما تقلصت مدة العمل اليومية في العديد من الحالات إلى نحو خمس أو ست ساعات. حيث يقول مزارعون إن تكلفة العامل قد تصل إلى ما بين 300 و400 درهم مقابل نحو خمس ساعات من العمل، خصوصا خلال فترات ارتفاع الطلب على اليد العاملة.
ومن المرتقب أن يزداد الضغط على سوق الشغل الزراعي خلال موسمي جني الزيتون والحمضيات، اللذين يتزامنان مع عمليات حرث وزراعة الحبوب، ما يرفع الطلب على العمال في عدد من المناطق في الوقت نفسه. ورغم إبرام اتفاقيات بين قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية بهدف تسهيل تنقل العمال بين المناطق، فإن هذه الإجراءات لم تتمكن بعد من إنهاء الخصاص.
وفي قطاع صناعة أسلاك السيارات، خصوصا في شمال المغرب، تواجه الشركات بدورها صعوبة في الحفاظ على العمال، في ظل ما يصفه خبراء بنزوح مستمر للعمال من بعض الوحدات الإنتاجية بحثا عن ظروف أو أجور أفضل.
وتأتي هذه التطورات في وقت بلغ فيه معدل البطالة 9.5 في المائة خلال الربع الثاني من سنة 2026، بينما يرتفع المؤشر الأوسع الذي يعتمده المندوبية السامية للتخطيط إلى 18.9 في المائة عند احتساب العمالة الناقصة والأشخاص المتاحين للعمل ممن لا يبحثون عنه بشكل نشط.
ويرى مهنيون أن المفارقة ليست حقيقية بقدر ما تعكس فجوة بين طبيعة الوظائف المتاحة ومؤهلات ومواقع طالبي العمل. حيث جزء كبير من العاطلين يتكون من الشباب وسكان المدن وحاملي الشهادات، في حين يتركز الطلب على وظائف يدوية شاقة أو موسمية، وأحيانا في مناطق بعيدة عن أماكن إقامة الباحثين عن العمل.
وأمام اتساع هذه الفجوة، تتزايد الدعوات إلى تعزيز التكوين المهني وربطه بشكل أكبر بحاجيات سوق الشغل، إلى جانب تحسين جاذبية الوظائف عبر توفير النقل والسكن والحماية الاجتماعية ومسارات واضحة للتطور المهني، بما يتيح تقليص الهوة بين ارتفاع البطالة من جهة والخصاص المتزايد في اليد العاملة من جهة أخرى.
شارك المقال























Leave a Reply