بين أزمة العدالة وحسابات السياسة. هل يبحث وهبي عن مخرج نحو حقائب أكبر؟

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي /


في الوقت الذي يعيش فيه قطاع العدالة واحدة من أكثر مراحله توترا، على خلفية الإضراب المطول للمحامين وما ترتب عنه من اضطراب في السير العادي للمحاكم، يبدو أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، يوجه جزءا متزايدا من اهتمامه إلى قضايا وملفات تتجاوز، في كثير من الأحيان، صميم الأزمة التي تواجهها وزارته.

فبدلا من أن تتصدر أزمة العلاقة بين وزارة العدل وهيئات المحامين النقاش العمومي، عادت تصريحات وهبي بشأن سبتة ومليلية إلى الواجهة، لتثير جدلا واسعا، خصوصا في إسبانيا، حيث تفتح في الوقت ذاته باب التساؤلات حول الأولويات التي يفترض أن ينشغل بها وزير العدل في هذه المرحلة الدقيقة.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد خلاف مهني بين وزير والمحامين، أو باختلاف في وجهات النظر بشأن إصلاح تشريعي. فالمواجهة أخذت أبعادا أوسع، بعدما عبرت شريحة واسعة من المحامين عن رفضها لمسار إعداد الإصلاح، وانتقدت ما اعتبرته غيابا كافيا للتشاور والحوار. ومع استمرار الاحتجاجات، بدأت تداعيات الأزمة تنعكس بشكل مباشر على المتقاضين وعلى السير الطبيعي للمرفق القضائي.

اهنام جلسات تتعطل، وملفات تتراكم، والمواطن الذي يلجأ إلى القضاء بحثا عن حقه يجد نفسه أمام سؤال مفتوح حول موعد عودة المحاكم إلى إيقاعها الطبيعي. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تجاوز الأزمة والحفاظ على استمرارية العدالة مسؤولية تتقدم على أي حسابات أخرى.

غير أن تصريحات وزير العدل في ملفات ذات طبيعة دبلوماسية وسيادية، وعلى رأسها قضية سبتة ومليلية، أعادت طرح سؤال آخر يتعلق بحدود الدور السياسي للوزير وأولوياته في المرحلة الراهنة. فإثارة هذا الملف الحساس في العلاقات المغربية الإسبانية، في وقت تتواصل فيه أزمة قطاع العدالة، جعلت البعض يتساءل عما إذا كان الأمر مجرد مواقف سياسية عابرة، أم أنه يعكس توجها أوسع لدى وهبي لإعادة تقديم نفسه خارج دائرة اختصاصه الحكومي المباشر.

ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، وعودة النقاش حول مستقبل الأحزاب ووزنها داخل المشهد السياسي، تصبح هذه التصريحات قابلة لقراءات متعددة. فهناك من قد يراها محاولة لتوسيع الحضور السياسي والإعلامي، فيما قد يذهب آخرون إلى اعتبارها مؤشرا على طموح مستقبلي نحو حقيبة وزارية أكثر تأثيرا، خصوصا أن ملفات السياسة الخارجية تحظى بحضور قوي في الخطاب السياسي المغربي.

لكن من الصعب، في غياب معطيات واضحة، الجزم بأن وهبي يخطط فعلا لمرحلة سياسية تتجاوز وزارة العدل، أو أنه يطمح إلى حقيبة بعينها. ومع ذلك، فإن تكرار مواقفه في ملفات لا ترتبط مباشرة بالمهام اليومية لوزارة العدل يجعل السؤال المشروع، هو هل يتعلق الأمر بمجرد تعبير سياسي، أم ببحث مبكر عن موقع في مرحلة سياسية مقبلة؟

المفارقة تبدو أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بقطاع يعرفه وهبي جيدا، باعتباره محاميا سابقا، ويعيش في عهده أزمة غير مسبوقة في العلاقة بين الوزارة وجزء واسع من مهنة المحاماة. فقبل الحديث عن قضايا دبلوماسية كبرى أو عن آفاق سياسية مستقبلية، يبدو أن الأولوية الأكثر إلحاحا تتمثل في إعادة بناء جسور الثقة مع المحامين، وفتح حوار جدي قادر على إنهاء حالة الاحتقان.

فالعدالة لا تحتمل الفراغ، كما أن الخلافات المؤسساتية والمهنية لا ينبغي أن يتحمل المتقاضون كلفتها. وكلما طال أمد الأزمة، ارتفعت الحاجة إلى مبادرة سياسية ومؤسساتية تعيد الحوار إلى الواجهة، بعيدا عن منطق المواجهة.

وخلاصة كل ذلك، قد تكون تصريحات وهبي بشأن سبتة ومليلية مجرد مواقف سياسية لا تحمل بالضرورة أي حسابات مستقبلية. لكن توقيتها، في ظل أزمة عميقة يعيشها قطاع العدالة، يجعلها تطرح أكثر من علامة استفهام. وبينما تتجه الأنظار إلى ما إذا كان الوزير سيواصل حضوره في ملفات تتجاوز اختصاص وزارته، يبقى التحدي الأكثر إلحاحا أمامه واضحا، وهو إعادة الحوار مع مهنة المحاماة، وإنهاء الأزمة التي باتت آثارها تمس جوهر مرفق العدالة نفسه.

وقبل أن يحاول أي مسؤول لعب أدوار في أكثر الملفات الدبلوماسية حساسية، فإن استعادة الثقة داخل قطاع العدالة وإعادة المحاكم إلى سيرها الطبيعي تظل، أولا وقبل كل شيء، المهمة التي ينتظرها المواطنون.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *