CNN تكشف الوجه الآخر للهجرة والعمل الزراعي في إسبانيا

 رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


في الوقت الذي تحضر فيه قضية الهجرة بقوة في النقاش السياسي والإعلامي الإسباني، وتتصاعد الأصوات الرافضة للمهاجرين والداعية إلى تشديد الرقابة على الحدود، جاءت تغطية لقناة CNN الأمريكية من منطقة ألميريا لتسلط الضوء على مفارقة لافتة بين الخطاب السياسي والممارسة الاقتصادية على أرض الواقع.

الروبورتاج الذي أنجزته القناة من قلب واحدة من أهم المناطق الزراعية في إسبانيا، كشف جوانب قاسية من حياة عدد من المهاجرين الذين يعملون في الحقول الزراعية، في ظروف وصفها بعضهم بأنها شبيهة بالاستعباد، خصوصا في ظل ساعات العمل الطويلة والأجور المتدنية والظروف المناخية الصعبة.

وتبرز أهمية ألميريا في كونها من أكبر المراكز الزراعية في إسبانيا، حيث تعتمد قطاعات واسعة من الإنتاج الزراعي على اليد العاملة المهاجرة. وفي شهادات نقلها الروبورتاج، تحدث مهاجرون عن ظروف عمل قاسية وأجور هزيلة، من بينها شهادة مهاجر إفريقي قال إن بعض العمال يشتغلون في الحقول في أجواء شديدة الحرارة مقابل نحو خمسة يورو للساعة.

ولم تتوقف الصورة عند ظروف العمل، إذ أظهر الروبورتاج أيضا معاناة عدد من المهاجرين في السكن والعيش، حيث يعيش بعضهم في ظروف هشة، بينما يضطر آخرون إلى الاعتماد على المساعدات التي تقدمها الكنائس والجمعيات المحلية لتوفير الغذاء والحاجيات الأساسية.

وكان حضور المهاجرين المغاربة لافتا في هذه التغطية، إذ ظهرت إحدى المغربيات وهي تحمل جواز سفرها المغربي وتتحدث باكية عن ترك ابنها والقدوم إلى إسبانيا بحثا عن العمل، مؤكدة أن الفقر هو الذي دفعها إلى الهجرة، وأنها لم تكن لتختار هذه الحياة لو توفرت لها ظروف أفضل في بلدها.

وتطرح هذه المشاهد سؤالا أكبر حول الصورة التي يتم تسويقها أحيانا عن أوروبا باعتبارها “جنة” وفرصة مضمونة لتحسين الوضع الاجتماعي. فواقع عدد من المهاجرين يكشف أن الوصول إلى الضفة الأوروبية لا يعني بالضرورة نهاية المعاناة، بل قد يكون بداية لمسار آخر من الكفاح، خصوصا بالنسبة إلى العمال الذين يجدون أنفسهم في وظائف شاقة وهامشية وبأجور محدودة.

كما سلط الروبورتاج الضوء على اعتماد الاقتصاد الإسباني بشكل كبير على اليد العاملة المهاجرة، وهي مفارقة تزداد وضوحا عندما ترتفع الأصوات السياسية والشعبية المناهضة للهجرة، في الوقت الذي تحتاج فيه قطاعات اقتصادية أساسية إلى هؤلاء العمال لضمان استمرار الإنتاج.

وفي هذا السياق، ارتبطت التغطية أيضا بقرار إسبانيا تسوية الوضعية القانونية لمئات الآلاف من المهاجرين الموجودين في وضعية غير نظامية، في خطوة تعكس من جهة، الحاجة الاقتصادية إلى اليد العاملة المهاجرة، ومن جهة أخرى، صعوبة إدارة ملف الهجرة بعيدا عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

وتعيد هذه الصور النقاش حول دور الإعلام المغربي في تناول أوضاع المغاربة في الخارج. فبينما تنتقل وسائل إعلام دولية إلى أماكن عملهم وسكنهم وتستمع إلى شهاداتهم وتوثق ظروف حياتهم، يظل السؤال مطروحا حول مدى حضور هذه الملفات في الإعلام المغربي، ليس بهدف تشويه صورة الهجرة أو التقليل من فرصها، وإنما من أجل تقديم صورة متوازنة تضع النجاح والمعاناة جنبا إلى جنب.

إن الهجرة ليست دائما قصة نجاح، كما أنها ليست دائما مأساة، بل إنها في كثير من الحالات نتيجة لظروف اقتصادية واجتماعية تدفع الإنسان إلى مغادرة وطنه بحثا عن فرصة أفضل. ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام في نقل الواقع كما هو، بعيدا عن صورة “الفردوس الأوروبي” من جهة، وبعيدا أيضا عن خطاب التخويف من الهجرة من جهة أخرى.

وربما تكون الرسالة الأبرز التي خرج بها روبورتاج ألميريا هي أن الاقتصاد الأوروبي نفسه يحتاج إلى المهاجرين، حتى في الوقت الذي لا يزال فيه جزء من الخطاب السياسي والاجتماعي ينظر إليهم باعتبارهم مشكلة. حيث بين الخطابين، يعيش آلاف العمال المهاجرين واقعا يوميا لا يظهر دائما في الصور اللامعة عن أوروبا.

ويبقى السؤال موجها إلى الإعلام المغربي، وهو أين هي الروبورتاجات الميدانية التي تقترب من حياة المغاربة في الحقول والمصانع ومواقع العمل بأوروبا، وتكشف ظروفهم الحقيقية، بعيدا عن الصور النمطية والقصص اللامعة؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *