مزاد مالي للحصول على تزكية نسائية داخل الاتحاد الاشتراكي تضع لشكر أمام أسئلة محرجة

رصد المغرب / مراسلة خاصة /


فجرت الطريقة التي جرى بها تدبير مسطرة اختيار وكيلة اللائحة الجهوية داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية موجة من الغضب والانتقادات، بعدما خرجت إحدى المرشحات لتضع على الطاولة رواية ثقيلة تتحدث عن ممارسات قالت إنها عاينتها شخصيا، معتبرة أن ما جرى لا يتعلق بمجرد تنافس على المواقع أو اختلاف حول الأسماء، بل يكشف، بحسب تعبيرها، عن أزمة عميقة في احترام مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص داخل الحزب.

وبلهجة غير مسبوقة، وصفت المعنية ما جرى في كواليس تدبير المسطرة بأنه أشبه بـ”سوق سمسرة سياسية مكتملة الأركان”، في اتهام سياسي وتنظيمي بالغ الخطورة، خصوصا أن الأمر يتعلق بعملية يفترض أن تكون محكومة بالكفاءة والاستحقاق والنضال السياسي، لا بالقدرة على توفير المال.

والأخطر في هذه الرواية هو ما يتعلق بما قيل إنه حدث أثناء اجتماع المرشحات، حيث تتهم صاحبة البيان رئيس المجلس الوطني بتوزيع أوراق عليهن، ومطالبتهن بتدوين المبالغ المالية التي يلتزمن بدفعها، ثم توقيع تلك الالتزامات. وإذا صحت هذه الوقائع، فإنها لا تمثل مجرد تفصيل عابر في مسطرة انتخابية داخلية، بل تطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة المعايير التي باتت تتحكم في صناعة القرار الحزبي.

فكيف يمكن لحزب يحمل إرثا يساريا، ويتحدث في أدبياته عن العدالة الاجتماعية والمساواة وتمكين النساء، أن يسمح بتحويل التزكية السياسية إلى ما يشبه التنافس المالي؟ وكيف يمكن لمناضلة راكمت سنوات من العمل التنظيمي والسياسي أن تجد نفسها في مواجهة معيار لا علاقة له بالرصيد النضالي، وإنما بما تستطيع أن تضعه من مال؟

إن إدخال العامل المالي بهذه الصورة، إن ثبت، لا يوسع دائرة المشاركة النسائية، بل قد يحولها إلى امتياز لفئة محدودة قادرة ماليا. وبذلك تصبح “الكوطا” والتمييز الإيجابي، اللذان يفترض أن يكونا آليتين لتصحيح اختلالات المشاركة السياسية، معرضين للتحول إلى مزاد غير معلن، تكون فيه الأفضلية لمن تملك قدرة مالية أكبر، لا لمن تملك كفاءة سياسية ونضالية أعلى.

والسؤال هنا لا يتعلق فقط بمن فازت ومن خسرت، بل بمنطق الاختيار نفسه. فمن حدد المبالغ المطلوبة؟ وعلى أي أساس جرى تحديدها؟ وهل طلبت الشروط نفسها من جميع المرشحات؟ وهل كان حجم المبلغ الذي التزمت به كل واحدة منهن عنصرا في المفاضلة؟ وهل أثرت القدرة المالية فعلا أو بشكل غير مباشر في قرار لجنة البت؟

هذه الأسئلة لا يمكن دفنها تحت شعار الانضباط الحزبي، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خلاف داخلي بين مناضلات. فالحديث هنا، وفق مضمون البيان، يتعلق بجوهر الديمقراطية الداخلية وبصورة المرأة داخل التنظيم السياسي وبمدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص.

والأكثر إثارة للجدل أن صاحبة البيان لم تكتف بانتقاد المسطرة، بل فتحت الباب أمام أسئلة سياسية أكثر حدة، من قبيل ما إذا كان الحزب يتجه نحو نموذج سياسي تتحول فيه المسؤوليات والترشيحات إلى مجال لتغليب النفوذ والمال على النضال والكفاءة، وما إذا كان الحزب الذي عرف تاريخيا بمواقفه اليسارية قد بدأ يفقد شيئا من ملامحه السياسية والتنظيمية.

أما وضع إدريس لشكر، أو ما أصبح يلقب ب”إدريس الرابع”، كونه في قلب هذه الانتقادات، فيجعل القضية أكثر حساسية، خصوصا أن الأمر يتعلق بقيادة الحزب وبطريقة تدبير محطة انتخابية داخلية يفترض أن تعكس صورة التنظيم ومبادئه. لذلك فإن الصمت، إن طال، لن يكون كافيا لاحتواء الجدل، لأن الاتهامات المطروحة تحتاج إلى أجوبة واضحة وموثقة، لا إلى تبريرات سياسية عامة.

القضية في جوهرها ليست قضية امرأة واحدة ولا لائحة واحدة. إنها اختبار حقيقي لما تبقى من معنى الديمقراطية الداخلية داخل حزب يحمل تاريخا طويلا في المشهد السياسي المغربي. فإما أن تكون الكفاءة والنزاهة والاستحقاق والعمل السياسي هي مفاتيح الوصول إلى المسؤولية، وإما أن يتحول المال تدريجيا إلى معيار خفي يعيد ترتيب مواقع المناضلات والمناضلين.

والنساء الاتحاديات، وفق مضمون البيان، لم يناضلن لعقود من أجل الوصول إلى مواقع المسؤولية حتى يجدن أنفسهن أمام حاجز مالي جديد. لأن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تكون امتيازا لمن تملك القدرة على الدفع، ولا ينبغي أن تتحول التزكية إلى ورقة مالية موقعة.

وبينما تتسع دائرة التساؤلات، يصبح المطلوب من قيادة الحزب تقديم توضيحات صريحة حول حقيقة ما جرى، والمعايير المعتمدة في اختيار وكيلة اللائحة، وطبيعة المبالغ التي طلبت من المرشحات، والأساس التنظيمي والقانوني لها، وما إذا كانت قد أثرت في عملية الاختيار.

فإذا كانت هذه الاتهامات غير صحيحة، فإن الرد عليها بالأدلة والتوضيحات كفيل بوضع حد للجدل. أما إذا ثبتت الوقائع، فإن الأمر لن يكون مجرد “سوء تدبير” لمساطر داخلية، بل سيكون عنوانا لأزمة سياسية وأخلاقية حقيقية، عنوانها الأبرز، هو ماذا تبقى من حزب المناضلين عندما يصبح المال جزءا من معادلة الترشيح؟

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *