رصد المغرب
تبدو حركة طالبان وقد قطعت شوطا كبيرا في الخروج من العزلة الدولية، من دون أن تدفع في المقابل الثمن الذي كانت واشنطن والعواصم الغربية تراهن عليه. فمنذ سيطرتها على كابول في 15 أغسطس/آب 2021، وسّعت الحركة شبكة علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية، واستقبلت سفراء معتمدين، وأبرمت اتفاقيات مع دول الجوار، فيما ظلّت ملفات حقوق النساء وعلاقاتها مع تنظيمات جهادية من أبرز القضايا التي لم تقدم بشأنها تنازلات جوهرية.
وتكشف السنوات الخمس الماضية أن طالبان لم تعد تتعامل مع الاعتراف الدولي باعتباره هدفًا ينبغي الوصول إليه بأي ثمن، بل باعتباره مسارًا تدريجيًا يمكن تعميقه من خلال المصالح الاقتصادية والأمنية والجغرافية. فقد بلغت اللقاءات الدبلوماسية ذروتها في أواخر عام 2024، قبل أن تنتقل كابول من مرحلة توسيع دائرة الاتصالات إلى مرحلة أكثر رسوخًا تقوم على القنصليات واللجان المشتركة والمجالس التجارية. وبعبارة أخرى، لم تعد المسألة بالنسبة إلى طالبان هي فتح الأبواب، وإنما تحويل هذه الأبواب إلى علاقات مؤسسية يصعب التراجع عنها.
وفي هذا التحول، تغيرت خريطة شركاء كابول بصورة لافتة. فقد أصبحت إيران أبرز محاور طالبان الدبلوماسيين، فيما حافظت تركيا وقطر وأوزبكستان على مواقع متقدمة، بينما انتقلت الهند من التواصل الرمزي إلى موقع أكثر حضورًا. وفي المقابل، تدهورت العلاقة مع باكستان بصورة حادة، بعدما تحولت من حليف تقليدي إلى خصم تتبادل معه كابول مذكرات الاحتجاج والتوترات الحدودية.
ويكشف هذا التحول عن قاعدة جديدة تحكم السياسة الخارجية الأفغانية: المصلحة قبل الأيديولوجيا. فالدول الأكثر انخراطًا مع كابول ليست بالضرورة الأقرب إلى رؤيتها الفكرية، وإنما الأكثر ارتباطًا بأفغانستان جغرافيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا. وفي المقابل، تراجع الحضور الغربي في النشاط الدبلوماسي لطالبان، خصوصًا بعد القيود التي فرضتها الحركة على تعليم الفتيات وعمل النساء.
الأكثر إثارة في المشهد أن طالبان بدأت تحصل على مكاسب دولية متتالية من دون أن تكون هذه المكاسب مرتبطة بشروط سياسية متبادلة. وكانت روسيا الدولة الأبرز في هذا المسار، بعدما أصبحت في يوليو/تموز 2025 أول دولة تعترف رسميًا بحكومة طالبان. ثم تعزز هذا الاعتراف بمشاركة كابول في مشاورات صيغة موسكو واتفاق للتعاون العسكري التقني. وفي الوقت نفسه، بدأت دول خليجية وآسيوية وتركيا في اعتماد دبلوماسيين معينين من طالبان دون الاعتراف الرسمي بحكومتها.
ولم يتوقف الأمر عند الدبلوماسية. فقد بدأت مشاريع اقتصادية واستثمارات إقليمية تعكس استعداد عدد متزايد من الدول للتعامل مع أفغانستان بوصفها واقعًا سياسيًا قائمًا. وتشمل هذه التطورات مشروع خط أنابيب “تابي”، ومذكرة استثمار إماراتية بقيمة 10 مليارات دولار، وتعاونًا مع موانئ دبي العالمية، إلى جانب مشروع سكك حديدية بقيمة 500 مليون دولار مع كازاخستان. وبالنسبة إلى طالبان، فإن هذه التحركات تحمل رسالة واضحة: يمكن بناء علاقات اقتصادية مع الخارج من دون القبول تلقائيًا بشروط سياسية غربية.
لكن خلف هذا النجاح الدبلوماسي والاقتصادي توجد نقطة ضعف كبيرة. فأفغانستان ما تزال تواجه أزمة إنسانية واقتصادية عميقة، إذ يحتاج نحو نصف سكانها إلى مساعدات إنسانية، فيما عادت ملايين الأشخاص من باكستان وإيران، ولا تزال مليارات الدولارات من احتياطيات البنك المركزي مجمدة. ولهذا تحاول طالبان جذب الاستثمارات، خصوصًا في قطاع المعادن، باعتباره أحد مفاتيح الخروج من الأزمة الاقتصادية.
أما الولايات المتحدة، فتبدو أمام معادلة أكثر تعقيدًا. فهي لا تزال تمتلك أدوات ضغط مهمة، أبرزها موقعها داخل منظومة الأمم المتحدة، وتراخيص وزارة الخزانة، والقدرة على التأثير في تمويل مشاريع البنية التحتية الإقليمية، فضلًا عن القناة الدبلوماسية عبر قطر. غير أن المشكلة تكمن في أن واشنطن تستخدم هذه الأدوات بصورة متقطعة، بينما تستثمر طالبان كل مكسب دبلوماسي واقتصادي لبناء واقع جديد على الأرض.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة المسار الأفغاني بالتجربة السورية. فالحكومة السورية الجديدة، وفق المادة، تمكنت خلال عشرين شهرًا فقط من تحقيق مستوى من التواصل الدبلوماسي تجاوز ما حققته طالبان خلال خمس سنوات، وكان الحضور الغربي في الحالة السورية أكبر بكثير. ويرتبط ذلك، بحسب التحليل، بكون دمشق سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها قاطعة مع الجهاد العالمي وأكثر استعدادًا لإجراء تغييرات مؤسسية، بينما اختارت كابول مسارًا أكثر بطئًا في التعاطي مع المطالب الدولية.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية أمام واشنطن: هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة ربط الانفتاح الدولي على طالبان بشروط سياسية واضحة، أم أن الاعتراف التدريجي بالحركة سيصبح أمرًا واقعًا لا يمكن وقفه؟
المؤشرات الحالية تميل إلى الخيار الثاني. فكل دولة تفتح قناة مع كابول تمنح طالبان مساحة جديدة للمناورة، وكل اتفاق اقتصادي يقلل من أثر العزلة، وكل اعتماد دبلوماسي يضعف تدريجيًا فكرة إبقاء الحكومة الأفغانية خارج النظام الدولي. ولذلك لم يعد التحدي الأمريكي يتمثل فقط في منع الاعتراف بطالبان، وإنما في منع تحول هذا الاعتراف إلى عملية مجانية لا تحصل واشنطن في مقابلها على أي تغيير في سلوك كابول.
وتتمثل إحدى أبرز الأوراق التي لا تزال في يد واشنطن في عضوية الأمم المتحدة، إلى جانب أدوات العقوبات والتراخيص والاستثمارات. ويرى التحليل أن استخدام هذه الأدوات ينبغي أن يتحول من سياسة ضغط عامة إلى سياسة مشروطة، بحيث يرتبط أي تخفيف للقيود أو دعم اقتصادي بتحقيق خطوات قابلة للتحقق في ملفات تعليم النساء، ومشاركتهن في سوق العمل، ومكافحة التنظيمات الجهادية، وقطع الصلات بالمقاتلين الأجانب.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على قدرة الولايات المتحدة على استعادة المبادرة. فطالبان أثبتت خلال السنوات الخمس الماضية أن سياسة الانتظار يمكن أن تعمل لصالحها، وأنها تستطيع توسيع علاقاتها الدولية خطوة بعد أخرى من دون تقديم تنازلات جوهرية. ولذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت طالبان ستعود إلى النظام الدولي، بل بأي شروط ستعود، ومن سيحدد هذه الشروط: كابول أم واشنطن؟
وفي النهاية، تبدو المعادلة الأفغانية اليوم مختلفة جذريًا عما كانت عليه في أغسطس/آب 2021. فطالبان لم تعد حركة معزولة تنتظر اعتراف العالم بها، وإنما سلطة تسعى إلى تحويل الاعتراف التدريجي إلى أمر واقع. أما الولايات المتحدة، التي كانت تمتلك في السنوات الأولى بعد سقوط كابول قدرة أكبر على التحكم في مسار الانفتاح، فتواجه الآن خطر فقدان أدوات الضغط إذا استمرت الدول الأخرى في بناء علاقاتها مع طالبان من دون شروط. وكما خلص التحليل، فإن كابول حددت بالفعل ثمن ما تطلبه من العالم؛ ويبقى التحدي أمام واشنطن أن تحدد هي الأخرى ثمن ما تمنحه.























Leave a Reply