رصد المغرب / عبد العالي بريك /
لم تكن خديجة المربوح، وهي تخطو اليوم نحو واجهة العمل السياسي، من الوجوه التي اعتادت الجلوس داخل المكاتب الحزبية أو البحث عن موقع في الصفوف السياسية. مسارها جاء من مكان آخر، من الإعلام، ومن الكلمة، ومن مساحة ظلت فيها لسنوات تراقب المشهد العام، تنتقي القضايا التي ترى أنها تستحق الكتابة، وتطرح الأسئلة التي قد تزعج أحيانا من اعتادوا على النقد المهادن.
فهي لم تكن مجرد صحفية عابرة في المشهد الإعلامي، بل ارتبط اسمها بتجربة «نبض المغرب»، التي شكلت إحدى المحطات البارزة في مسارها المهني، قبل أن تقرر اليوم الانتقال من إدارة وممارسة الإعلام إلى خوض تجربة العمل السياسي.
فقد اختارت، خلال مسارها، أن تجعل من القلم وسيلة للتعبير عن قضايا الناس، ومواجهة التضليل، وانتقاد ما كانت تعتبره اختلالات في الممارسة السياسية والإعلامية، دون أن تكون مرتبطة بالعمل الحزبي التقليدي. كانت تكتب عندما ترى أن هناك ما يستحق الكتابة، وتنتقد عندما ترى أن الصمت لم يعد مقبولا، وتحاول من خلال مقالاتها ورسائلها وتحليلاتها أن تضع بعض القضايا أمام الرأي العام.
ولم يكن الإعلام بالنسبة إليها مجرد مهنة، بل مساحة لممارسة قناعة شخصية مفادها أن الكلمة يمكن أن تكون وسيلة للإصلاح، وأن الصحافي لا يفقد قيمته المهنية عندما يقترب من قضايا المجتمع، بل عندما يتخلى عن استقلاليته ويصبح جزءا من لعبة المصالح.
ورغم الظروف الاجتماعية والضغوط التي رافقت مسارها، واصلت خديجة طريقها العلمي والمهني، إلى أن أكملت دراستها الجامعية وحصلت على شهادة الماستر بدرجة ممتازة، في مسار يعكس إصرارا على تطوير الذات وعدم الاستسلام للظروف.
وظلت أسرتها الصغيرة تحتل مكانة أساسية في اهتماماتها، فيما بقيت مدينتها فاس حاضرة في انشغالاتها، سواء من خلال الكتابة أو متابعة القضايا المحلية أو الدفاع عن أفكار ترى أنها قادرة على المساهمة، ولو بشكل محدود، في تحسين واقع المدينة وساكنتها.
ومن بين الملفات التي كانت حاضرة في خطابها، قضية الريع الإعلامي والسياسي، ومحاولة تفكيك بعض الممارسات التي ترى أنها تسيء إلى العمل العام، إلى جانب الاهتمام بالتحليل السياسي والبحث عن الحقيقة بعيدا عن التوجيه أو التلميع.
لكن المفارقة أن الإعلامية التي ظلت لسنوات تنتقد السياسيين من موقع الصحافة، وجدت نفسها اليوم أمام سؤال مختلف، وهو ماذا لو انتقلت من موقع المراقب والناقد إلى موقع الفاعل؟
هذا السؤال لم يكن قرارا فرديا عابرا، بل جاء في سياق نقاشات مع عدد من الأصدقاء والزملاء الذين يعرفون تجربتها ويتابعون مسارها. وكنت شخصيا من بين الذين اقترحوا عليها فكرة خوض تجربة العمل السياسي، انطلاقا من قناعة بأن بعض الأفكار التي ظلت تدافع عنها من خلال مقالاتها يمكن أن تجد طريقها إلى الممارسة من داخل المؤسسات المنتخبة.
الفكرة لم تلق منها استجابة متسرعة، بل احتاجت إلى تفكير عميق، خصوصا أن الانتقال من الإعلام إلى السياسة ليس انتقالا بسيطا. فالصحافي يملك مساحة واسعة للنقد والمساءلة، بينما السياسي يصبح مطالبا بتحمل مسؤولية القرار، والدفاع عن اختياراته، ومواجهة الناخبين والخصوم والحلفاء في آن واحد.
وبعد تفكير، رحبت خديجة المربوح بالفكرة، وقررت خوض تجربة سياسية جديدة من بوابة حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، حيث اختارت الترشح وكيلة للائحة الحزب بدائرة فاس الجنوبية برسم الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.
هذا الانتقال لا يعني بالضرورة أن خديجة أغلقت صفحة الإعلام، بقدر ما يمثل محاولة لفتح صفحة جديدة في مسارها، عنوانها الانتقال من طرح الأسئلة حول تدبير الشأن العام إلى محاولة المساهمة في صياغة الأجوبة والحلول من داخل المؤسسات.
وإذا كان هذا الترشيح يقدم وجها نسائيا قادما من المجال الإعلامي والثقافي، فإنه في الوقت نفسه يضع صاحبته أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تدخل عالم السياسة دون أن تفقد ذلك الصوت النقدي الذي عرفت به في الإعلام؟
فالقيمة الحقيقية لهذه التجربة لن تكون في مجرد الحصول على ترشيح أو خوض الانتخابات، وإنما في قدرة خديجة المربوح على الحفاظ على المبادئ التي جعلتها تنتقد الممارسة السياسية عندما كانت خارجها، ثم تحويل تلك المبادئ إلى مواقف وبرامج ومبادرات عندما أصبحت جزءا منها.
إنها، في نهاية المطاف، تجربة امرأة اختارت أن تنتقل من رحاب الإعلام إلى رحاب السياسة، وهي تحمل معها رصيدا من الكلمة والنقد والتحليل، لكنها تعرف أيضا أن السياسة ليست مقالا يكتب، ولا عنوانا ينشر، وإنما مسؤولية واختبار يومي أمام المواطنين.
وربما تكون المفارقة الأجمل في هذه التجربة أن الإعلامية التي كانت تكتب عن السياسيين وتطرح عليهم الأسئلة، أصبحت اليوم هي نفسها أمام أسئلة الناخبين.
فهل ستنجح خديجة المربوح في الاحتفاظ بقلم الصحافية داخل التجربة السياسية، أم أن السياسة ستفرض عليها لغة جديدة؟ والجواب لن تحدده المقالات ولا الشعارات، وإنما ستحدده الممارسة، وما ستقدمه هذه التجربة الجديدة للساكنة وللمدينة التي اختارت أن تخوض باسمها غمار الاستحقاق الانتخابي.
شارك المقال























Leave a Reply