مالي بين دبلوماسية الرهائن وتصاعد التمرد

رصد المغرب / تقرير إخباري /


شهدت مالي خلال الأسبوع الماضي سلسلة غير مسبوقة من عمليات الإفراج عن رهائن ومحتجزين، شملت جنودا ومدنيين وأجانب، في تطور عكس تعدد قنوات التفاوض والوساطة في منطقة الساحل، لكنه في الوقت نفسه كشف عن مفارقة لافتة: نجاح مسارات دبلوماسية محدودة بالتوازي مع استمرار التدهور الأمني وتصاعد الضغط العسكري والاقتصادي على المجلس العسكري الحاكم في باماكو.

وأعلنت السلطات المالية في 13 أغسطس2026-08-19 الإفراج عن 82 جنديا من القوات المسلحة المالية كانوا محتجزين منذ 25 أبريل ، عندما تعرضت البلاد لهجمات منسقة شاركت فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد التي يقودها الطوارق. وقالت هيئة الأركان المالية إن الجنود أصبحوا في أمان وتحت رعاية السلطات المختصة، ووصفت العملية بأنها ثمرة جهود بدأت منذ لحظة أسرهم.

وتكتسب عملية الإفراج أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة هجوم 25 أبريل، الذي استهدف مواقع عسكرية في باماكو وكاتي وموبتي وسيفاري وغاو وكيدال. وتمكنت القوات المتحالفة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد من تحقيق اختراقات مهمة، فيما وصفت مصادر بحثية الهجوم بأنه من أكثر العمليات تنسيقا وتعقيدا التي شهدتها مالي في السنوات الأخيرة.

وفي تطور مواز، أفرج عن نحو 60 مدنيا كانوا محتجزين لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في خطوة عدت محاولة لتهدئة التوتر مع بعض المجتمعات المحلية. كما أفرج المجلس العسكري المالي عن الفرنسي يان فيزيلييه، المرتبط بالمخابرات الفرنسية، بعد احتجازه نحو عام والحكم عليه بالسجن 20 عاما. وجاء الإفراج بعد جهود وساطة متعددة، كان للمغرب دور بارز فيها، وانتهى بقرار العفو والإفراج مع مغادرة فيزيلييه الأراضي المالية.

وفي اليوم نفسه تقريبا، أعلن عن الإفراج عن الأمريكي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزا في منطقة الساحل. وتشير تقارير إلى دور محتمل للسلطات المرتبطة بالمشير الليبي خليفة حفتر في عملية الإفراج، مع وجود روايات متباينة بشأن ما إذا كانت العملية تمت عبر تفاوض وفدية أو من خلال عملية ميدانية.

وتكشف هذه التطورات أن ملف الرهائن تحول إلى إحدى ساحات التفاوض غير المباشر في منطقة الساحل، حيث تتداخل الوساطات الإقليمية مع المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. غير أن هذه الإفراجات لا تعني تراجعا في قوة الجماعات المسلحة، بل قد تعكس، في بعض الحالات، قدرتها على تحويل الرهائن إلى أوراق تفاوض ومصادر تمويل.

وتزداد خطورة هذا الجانب بعد كشف تقرير للأمم المتحدة أن فدية ضخمة بلغت نحو 50 مليون دولار دفعت في أواخر عام 2025 مقابل الإفراج عن رهائن احتجزتهم جماعة مرتبطة بالقاعدة في مالي. وأفادت تقارير بأن هذه الأموال ساعدت الجماعة على تعزيز قدراتها وتمويل عملياتها اللاحقة، بما فيها الهجوم الواسع الذي وقع في أبريل 2026.

وفي المقابل، لا تزال مالي تواجه أزمة أمنية واقتصادية متصاعدة، إذ يقترب الحصار الذي فرضته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على إمدادات الوقود من إكمال عامه الأول. وتعتمد مالي، وهي دولة غير ساحلية، بدرجة كبيرة على واردات الوقود التي تصل برا عبر السنغال وساحل العاج، الأمر الذي جعل الطرق وخطوط الإمداد هدفا استراتيجيا للجماعة.

وقد أدى استهداف ناقلات الوقود وفرض الضرائب والحواجز والكمائن إلى زيادة كلفة إيصال الإمدادات إلى باماكو، بينما اضطرت السلطات إلى الاعتماد بصورة متزايدة على القوافل المسلحة. ويعني ذلك أن الجماعة لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة على العاصمة عسكريًا حتى تفرض عليها كلفة اقتصادية وأمنية متزايدة.

ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه الحكومة العسكرية على الذهب بوصفه أحد أهم مصادر الدخل الوطني. وتستفيد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بدورها من النشاط الاقتصادي المرتبط بالذهب عبر فرض الإتاوات والضرائب على طرق نقله ومراحل من سلسلة القيمة، بدلًا من الاكتفاء بمحاولة السيطرة المباشرة على المناجم.

أعاد هجوم 25 أبريل فتح النقاش حول قدرة المجلس العسكري، بقيادة العقيد أسيمي غويتا، على الوفاء بالوعد الأساسي الذي استند إليه منذ وصوله إلى السلطة: استعادة الأمن وبسط سيطرة الدولة على الأراضي المالية.

فالهجوم لم يكن مجرد سلسلة اعتداءات محلية، بل عملية متزامنة طالت مناطق متباعدة ومواقع عسكرية حساسة. وأسفرت المواجهات عن سقوط ضحايا مدنيين، فيما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات ارتكبتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والقوات المالية والقوات الروسية المتحالفة معها.

كما أظهرت المواجهات أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على استغلال التباعد الجغرافي بين مراكز السلطة، وضرب خطوط الاتصال والإمداد، وفرض معادلة أمنية تجعل سيطرة الحكومة على المدن الرئيسية لا تعني بالضرورة سيطرتها الفعلية على المجال المحيط بها.

وعلى الرغم من تزايد الانتقادات لأداء الشريك الروسي، لم تتخل باماكو عن تحالفها مع موسكو. ويشكل الحضور الروسي، عبر فيلق أفريقيا، عنصرا أساسيا في المنظومة الأمنية التي تعتمد عليها السلطة العسكرية.

غير أن هجوم أبريل فرض اختبارا صعبا لهذا التحالف، بعدما تمكنت الجماعات المسلحة من تنفيذ عمليات واسعة في وقت واحد، وأظهرت قدرة على تهديد مواقع استراتيجية رغم الدعم الروسي.

وفي الوقت نفسه، تحاول مالي تنويع علاقاتها الخارجية، مع استمرار علاقاتها مع تركيا والصين وإيران، فضلا عن إعادة فتح قنوات مع الجزائر بوساطة روسية. ويعكس هذا التحرك رغبة باماكو في تجنب الاعتماد على شريك خارجي واحد في مواجهة أزمة أمنية متشعبة.

ولا يقتصر المشهد المالي على المواجهة بين المجلس العسكري وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد. فتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل يمثل طرفا رابعا يسعى إلى الاستفادة من تراجع سلطة الدولة والصراع بين خصومه.

ويتمركز التنظيم بصورة خاصة في مناطق ميناكا وغاو وعلى الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ويخوض منذ سنوات مواجهة دامية مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. ويمنحه هذا الصراع فرصة للاستفادة من إنهاك منافسه ومن تراجع قدرة الدولة على ملء الفراغ الأمني.

ويشير تصاعد قدراته العملياتية إلى أن المشهد قد يتجه إلى تنافس متعدد الأطراف بدلا من مواجهة ثنائية بين الدولة والجماعات المسلحة. وهذا يعني أن إضعاف جماعة واحدة لا يؤدي بالضرورة إلى استعادة الدولة نفوذها، بل قد يفتح المجال أمام منافس مسلح آخر.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب في مالي لم تعد تحسم بالسيطرة على المدن أو المعسكرات وحدها. فقد أصبحت الطرق، والوقود، والذهب، والرهائن، والضرائب المحلية، والمعلومات عناصر أساسية في ميزان القوة.

وتستفيد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من شبكة متعددة المصادر للتمويل تشمل الضرائب على الطرق، وفرض الزكاة، وابتزاز الأنشطة الاقتصادية، وسرقة الماشية، والخطف مقابل الفدية. ويُقدّر تقرير أممي حديث عدد مقاتلي الجماعة في منطقة الساحل بما بين 7000 و8000 مقاتل، مع وجود جزء كبير منهم داخل مالي.

أما المجلس العسكري، فيمتلك مؤسسات الدولة والمدن الرئيسية ومصادر الإيرادات الرسمية، لكنه يتحمل في المقابل تكلفة مرتفعة لحماية خطوط الإمداد وتأمين المدن والمحافظة على استمرار النشاط الاقتصادي.

وتزداد صعوبة وضع المجلس العسكري بسبب أزمة الشرعية السياسية والإعلامية. فاحتكار المجال الإعلامي وإغلاق أو تقييد وسائل إعلام مستقلة واعتقال معارضين لم يمنع الجماعات المسلحة من بناء روايات مضادة، بل دفع جزءًا من المعركة إلى الفضاء الرقمي.

وتستخدم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مؤسستها الإعلامية، ومنها مؤسسة الزلاقة، لإنتاج خطاب سياسي وديني يقدم الجماعة باعتبارها قوة قادرة على تحدي السلطة، في حين تستثمر في سردية ضعف الدولة وفشلها في توفير الأمن والخدمات.

ويعزز النزوح الداخلي والفقر وانعدام الأمن الغذائي هذه الأزمة. كما أن الانتهاكات التي تستهدف بعض المجتمعات، ولا سيما الطوارق والفولاني، تخلق بيئة يمكن للجماعات المسلحة استثمارها لتوسيع التجنيد والنفوذ. وقد وثقت منظمات حقوقية عمليات قتل وانتهاكات نسبت إلى أطراف متعددة في الصراع.

وبذلك تبدو الإفراجات الأخيرة عن الجنود والمدنيين والرهائن الأجانب وكأنها لحظة هدوء دبلوماسي وسط حرب تتجه في الواقع نحو مزيد من التعقيد.

فالمجلس العسكري لا يزال يسيطر على معظم المراكز الحضرية، لكنه يواجه تحديا متزايدا في تأمين الطرق والإمدادات. وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تملك الدولة رسميا، لكنها تستطيع التأثير في الاقتصاد والحركة التجارية والأمن المحلي. أما جبهة تحرير أزواد فتحتفظ بمشروعها الانفصالي في الشمال، بينما يواصل تنظيم الدولة استغلال الفراغات الأمنية للتوسع ومنافسة خصومه.

والخلاصة أن مالي لا تعيش مجرد أزمة تمرد، بل أزمة سيطرة متعددة الأبعاد: الدولة تملك المؤسسات والموارد الرسمية، بينما تملك الجماعات المسلحة القدرة على تعطيل الطرق والاقتصاد وفرض تكاليف أمنية وسياسية مرتفعة.

ولهذا فإن نجاح عمليات الإفراج عن الرهائن لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مؤشرا على تحسن الوضع الأمني العام، بل قد يكون، دليلا إضافيا على ظهور دبلوماسية موازية للحرب، تتفاوض فيها الدول والجماعات المسلحة والوسطاء الإقليميون حول الرهائن والموارد والنفوذ، بينما تستمر المعركة على الأرض بلا حسم واضح.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *