رصدالمغرب / مربد مجاهد /
ليس مطلوبًا منا، نحن المتتبعين، أن نختار قميصًا في المواجهة المفتوحة بين محمد أوزين وإدريس شحتان، ولا أن نتحول إلى جمهور في مدرجات معركة سياسية وإعلامية يتبادل فيها الطرفان الرسائل والاتهامات، لأن القضية، في تقديري، أكبر من الرجلين معًا، وأعمق من أن تختزل في سؤال من انتصر في جولة ومن خسر أخرى. محمد أوزين سياسي وأمين عام لحزب، ومن حقه أن ينتقد ويعارض ويكشف ما يراه اختلالًا، ومن حق إدريس شحتان، باعتباره صحافيًا وناشرًا، أن يدافع عن نفسه وأن يلجأ إلى القضاء إذا اعتبر أن ما يوجه إليه يتجاوز النقد إلى القذف أو التشهير، لكن بين هذا الحق وذاك توجد مساحة واسعة هي مساحة المجتمع، مساحة المواطن الذي لا يعنيه في نهاية المطاف أن ينتصر أوزين على شحتان أو شحتان على أوزين، بقدر ما يعنيه أن يعرف الحقيقة، وأن يفهم كيف يشتغل الإعلام، وكيف يصنع المحتوى، وكيف تصرف الأموال، وكيف تمارس المسؤولية المهنية، ومن يحاسب حين تتحول حرية الصحافة من حق دستوري إلى سلطة لا تريد أن تُسأل عن شيء.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن فعله أمام هذه المواجهة هو أن نخرج قليلًا من شخصنة الصراع، وأن نضع السؤال حيث يجب أن يكون: هل يمكن أن ندافع عن حرية الصحافة دون أن ندافع بالضرورة عن كل محتوى ينتجه أي منبر إعلامي؟ والجواب في تقديري واضح: نعم، بل إن الدفاع الحقيقي عن الصحافة يقتضي أن نميز بين الحرية والفوضى، وبين الجرأة والإثارة، وبين السبق الصحفي وصناعة الفرجة، وبين حق الجمهور في المعرفة ورغبة المنصة في تحقيق أكبر عدد ممكن من المشاهدات. وأنا هنا لا أتحدث عن إدريس شحتان كشخص، ولا أصدر حكمًا على الرجل، ولا أتبنى الاتهامات التي وردت في بعض منشورات محمد أوزين، لأن الاتهام ليس حقيقة لمجرد أنه ورد في منشور، والوقائع التي قد تحمل وصفًا جنائيًا أو تمس السمعة لا يحسمها فيسبوك ولا المقالات ولا البلاغات، وإنما الجهات المختصة. وهذه مسافة ضرورية حتى لا يتحول النقد الذي نريده إلى تشهير لا نريده.
لكن هل يعني ذلك أن نتوقف عن مساءلة المنبر الإعلامي ومحتواه؟ بالتأكيد لا. وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة التي أراها أكثر أهمية من كل ما قيل ويقال بين الرجلين. نحن أمام منبر إعلامي له حضور واسع في المشهد المغربي، ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل عن خطه التحريري وعن اختياراته المهنية وعن الحدود التي يضعها بين الإعلام والإثارة، وبين الخبر والفرجة، وبين حق المشاهد في المعرفة ورغبة المنصة في تحقيق الانتشار. ومن يتابع جزءًا من المواد التي تنشرها المنصة لا يمكنه ألا يلاحظ حضورًا قويًا للمواضيع والشخصيات المثيرة للجدل، وهو أمر ليس جريمة في حد ذاته، فالمنبر حر في اختيار ضيوفه ومواضيعه ما دام ملتزمًا بالقانون، لكن السؤال المهني يظل مشروعًا: هل القيمة الصحفية هي التي تقود الاختيار دائمًا، أم أن قابلية الموضوع لصناعة “البوز” أصبحت في بعض الأحيان معيارًا مؤثرًا في صناعة المحتوى؟
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بشحتان وحده، بل بنموذج إعلامي كامل فرض نفسه في عصر المنصات الرقمية، حيث يمكن لعنوان صادم أو صورة مثيرة أو قصة شخصية أن تتفوق في الانتشار على تحقيق صحفي استغرق أسابيع من البحث والتقصي. وهنا تحديدًا ينبغي أن نكون حذرين، لأن ارتفاع المشاهدات لا يعني بالضرورة ارتفاع الجودة، وعدد المشاركات لا يمنح المحتوى شهادة في المهنية، والقدرة على جذب الجمهور لا تعني تلقائيًا القدرة على خدمته. الصحافة ليست مسابقة في رفع الأرقام، كما أن الجمهور ليس مجرد كتلة من المستهلكين يجوز إطعامها بأي شيء ما داموا يشاهدون.
والمسألة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق المحتوى بالقاصرين. فمجرد تناول قضية تخص طفلًا أو طفلة ليس محل إدانة، وقد يكون من صميم الصحافة وخدمة المجتمع، خصوصًا في حالات الاختفاء أو الاعتداء أو المناشدات الإنسانية، لكن المسؤولية هنا تصبح مضاعفة: كيف يتم التصوير؟ هل هناك ما يبرر نشر الصورة أو الصوت أو التفاصيل؟ هل جرى احترام الخصوصية؟ وهل يخدم النشر مصلحة القاصر فعلًا أم يحول هشاشته إلى مادة إضافية للفرجة؟ هذه ليست أسئلة ضد منبر بعينه، وإنما أسئلة ينبغي أن تطرحها الصحافة على نفسها كلما اقتربت الكاميرا من طفل أو طفلة، لأن القاصر ليس مجرد عنصر في قصة صحفية، وحماية كرامته وخصوصيته يجب أن تسبق البحث عن المشاهدة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: ليس كل ما يجلب المشاهدة صحافة، وليس كل ما يثير الجدل إعلامًا جيدًا، وليس كل ما يحقق “البوز” خدمة للمجتمع.
لقد تطورت التكنولوجيا أسرع بكثير من أخلاق المهنة. أصبح بإمكان هاتف واحد أن يصنع حدثًا، وبإمكان عنوان صادم أن يحصد ملايين المشاهدات، وبإمكان مادة قصيرة أن تنتشر في ساعات أكثر مما كان يحققه تحقيق صحفي في أيام. ولذلك فإن الحاجة إلى المهنية اليوم أكبر من أي وقت مضى، لا أقل. فحرية الصحافة ليست حرية من المسؤولية، وإنما حرية تمارس داخل الدستور والقانون وقواعد المهنة.
والقانون المغربي المتعلق بالصحافة والنشر لم يجعل الحرية الصحفية بابًا لإلغاء حقوق الآخرين، كما أن التنظيم الذاتي للمهنة لم يُنشأ ليكون مجرد عنوان مؤسساتي. بل إن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة أعادت إلى الواجهة سؤالًا أساسيًا: كيف نحمي حرية الصحافة ونرتقي بأخلاقياتها في الوقت نفسه؟ وكيف نضمن للمواطن حقه في إعلام حر ومستقل وصادق ومسؤول ومهني؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش، لا الأشخاص وحدهم.
ومن هنا، فإن وجود قانون للصحافة لا ينبغي أن يكون ذريعة لإسكات الصحافي، كما لا ينبغي أن يكون بطاقة إعفاء للصحافي من المسؤولية. الصحافة القوية هي التي تقبل أن تُسأل، والصحافي الواثق من مهنته لا يخشى المساءلة المهنية، والمؤسسة الإعلامية التي تؤمن بدورها المجتمعي لا ترى في كل نقد مؤامرة عليها. وفي المقابل، فإن السياسي الذي يوجه اتهامات إلى مؤسسة إعلامية عليه هو الآخر أن يدرك أن موقعه يفرض عليه قدرًا أكبر من الدقة، لأن قوة السياسي ليست في قسوة عباراته ولا في عدد المنشورات التي يكتبها، وإنما في الوثيقة التي يقدمها، والرقم الذي يكشفه، والسؤال الذي يضعه أمام المؤسسة المختصة، والملف الذي يفتح بشأنه نقاشًا عامًا.
إذا كان لدى محمد أوزين ما يثبت اختلالًا في الدعم العمومي أو في تدبير مؤسسة أو في علاقة المال بالإعلام، فإن أقوى طريق ليس إطلاق الاتهامات في مواقع التواصل، وإنما وضع الوثائق أمام البرلمان والقضاء والمؤسسات الرقابية والجهات المهنية المختصة، حتى تتحول القضية من سجال إلى مساءلة مؤسساتية. وإذا كان إدريس شحتان يرى أن ما يوجه إليه من اتهامات باطل وكاذب، فالقضاء حقه الطبيعي، بل هو الطريق الصحيح عندما يتعلق الأمر بادعاءات محددة تمس السمعة والحقوق، لكن اللجوء إلى القضاء لا يمنع كذلك مناقشة الخط التحريري والمحتوى المنشور، لأن الرد على اتهام معين لا يعني أن كل سؤال حول الأداء المهني أصبح ممنوعًا.
وهذه نقطة يجب أن نفهمها جيدًا حتى لا تختلط علينا الأمور: يمكن أن يكون اتهام معين باطلًا، وفي الوقت نفسه يكون نقد المحتوى مشروعًا؛ ويمكن أن يكون السياسي مخطئًا في أسلوبه، وفي الوقت نفسه تكون بعض الأسئلة التي طرحها جديرة بالنقاش؛ ويمكن أن ندافع عن حق شحتان في حماية سمعته دون أن نمنح “شوف تيفي” أو غيرها حصانة من النقد. هذه هي الموضوعية التي نحتاج إليها.
أما أن يتحول كل نقاش إلى معسكرين، معسكر أوزين ومعسكر شحتان، فذلك أسهل شيء وأقل الأشياء فائدة. نحن لسنا في حاجة إلى معركة مشجعين، وإنما إلى معركة أفكار. وإذا كان هناك خلاف حول الدعم العمومي أو حول تمثيلية الناشرين أو حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة، فالمكان الطبيعي لهذا النقاش هو المؤسسات والوثائق والقواعد الواضحة، لا حملات التضامن والردود المتبادلة فقط.
وهنا نصل إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية من كل الاتهامات التي يجري تداولها: ما علاقة المال بالإعلام؟ من يستفيد من الدعم العمومي؟ وفق أي معايير؟ ما الالتزامات التي تترتب عنه؟ هل تقاس جودة المؤسسة فقط بعدد المشاهدات والانتشار، أم ينبغي أن يكون احترام أخلاقيات المهنة وجودة المحتوى والمسؤولية الاجتماعية جزءًا من معايير التقييم أيضًا؟ هذه ليست أسئلة عدائية، ولا تعني اتهام مؤسسة بعينها، بل هي أسئلة طبيعية في كل مجتمع يحترم المال العمومي ويؤمن بالشفافية.
لأن المال العمومي ليس ملكًا للحكومة، ولا للوزارة، ولا للصحافي، ولا للناشر؛ إنه مال المواطنين. ومن حق المواطن أن يعرف كيف يصرف، ومن يستفيد منه، وما المقابل المهني والاجتماعي الذي ينتظر من المستفيدين منه. وإذا كان الدعم العمومي يراد منه إنقاذ الصحافة وتقوية المقاولات الإعلامية وحماية التعددية، فإن ذلك يفترض أيضًا أن تكون هناك معايير واضحة وشفافة، وأن تكون الجودة المهنية والمسؤولية جزءًا من المعادلة، حتى لا يصبح الدعم مجرد آلية لإبقاء نماذج إعلامية على قيد الحياة مهما كان محتواها.
وهنا تحديدًا ينبغي أن نتجاوز الأشخاص إلى المؤسسات. فالمغرب لا يحتاج إلى إعلام يخاف السياسي، كما لا يحتاج إلى سياسي يخاف الإعلام؛ يحتاج إلى إعلام يستطيع أن يقول للسياسي “أنت مخطئ” دون ابتزاز أو تشهير، ويحتاج إلى سياسي يستطيع أن يقول للإعلامي “أنت مخطئ” دون تهديد أو تضييق، ثم يضع الطرفان نفسيهما أمام القانون والوقائع والرأي العام.
أما أن يتحول الأمر إلى تبادل للاتهامات، ثم إلى بيانات مضادة، ثم إلى حروب على مواقع التواصل، ثم إلى جمهور يصفق لهذا ويشتم ذاك، فذلك ليس نقاشًا ديمقراطيًا، وإنما شكل آخر من أشكال الفرجة.
ولذلك، إذا أردنا أن نكون منصفين مع محمد أوزين، فعلينا ألا نكرر كل ما قاله وكأنه حقيقة قضائية، وإذا أردنا أن نكون منصفين مع إدريس شحتان، فعلينا ألا نعتبر كل نقد موجه إليه مؤامرة على الصحافة، وإذا أردنا أن نكون منصفين مع أنفسنا، فعلينا أن نرفض أن نتحول إلى أدوات في خصومة لا نعرف كل تفاصيلها. نحن نريد الوثيقة لا الإشاعة، والمعلومة لا الإيحاء، والمساءلة لا التشهير، والنقد لا الانتقام، والصحافة لا الفرجة.
ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي اليوم: هل تستطيع المؤسسات المهنية أن تجعل من هذه المواجهة فرصة لإعادة الاعتبار إلى أخلاقيات المهنة بدل أن تتحول إلى طرف فيها؟ وهل يستطيع السياسيون والإعلاميون أن يقبلوا جميعًا بالقاعدة نفسها: حرية في النقد، ومسؤولية في الممارسة، ومساءلة عندما توجد شبهة خرق؟ إذا كان الجواب نعم، فإن الخلاف الحالي يمكن أن يكون مفيدًا رغم كل ما فيه من توتر؛ أما إذا بقي مجرد حرب شخصية، فسوف ينتهي كما انتهت حروب كثيرة قبله، ويظل المواطن هو الخاسر الوحيد.
في النهاية، لا أعتقد أن المواطن المغربي يريد أن يعرف من ربح هذه الجولة بين أوزين وشحتان بقدر ما يريد أن يعرف من يحمي حقه في إعلام حر وموثوق ومحترم لعقله وكرامته. فإذا كان لدى أوزين دليل فليضعه أمام المؤسسات، وإذا كان لدى شحتان رد فليقدمه بالوثائق، وإذا كانت هناك خروقات فلتقل المؤسسات كلمتها، وإذا لم تكن هناك خروقات فليُغلق الملف. أما أن نبقى أسرى حرب المنشورات والبلاغات والتراشق الكلامي، فذلك لن يصلح إعلامًا ولن يصلح سياسة ولن يغير شيئًا من واقع المواطن.
لقد كشفت هذه المواجهة، في تقديري، شيئًا أكبر من الرجلين: كشفت الحاجة إلى إعادة بناء الثقة في الإعلام، وإلى إعادة الاعتبار للمسؤولية في السياسة، وإلى مؤسسات مهنية لا يحكمها الأشخاص ولا تخيفها الأسماء ولا تنحني أمام البوز. ونحن، كمتتبعين، لا نحمل قميص أوزين ولا قميص شحتان، ولا نريد أن نكون طرفًا في مباراة بين رجلين؛ نحن نحمل قميصًا واحدًا، هو قميص المواطن، وقميص الحقيقة، وقميص صحافة حرة نعم، ولكن حرة ومسؤولة في الوقت نفسه، لأن الصحافة التي لا تقبل المساءلة تسيء إلى الحرية التي تدافع عنها، والسياسة التي لا تقبل النقد تسيء إلى الديمقراطية التي تتحدث باسمها، وبين الاثنين يبقى المواطن هو الحكم الأخير، لا بالتصفيق ولا بالشتائم، وإنما بقدرته على التمييز بين من يريد أن يخدم الحقيقة ومن يريد فقط أن ينتصر في المعركة.
شارك المقال























Leave a Reply