رصد المغرب/تقرير اخباري
عاد إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي في القرن الأفريقي، مع تجدد المواجهات بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، في تطور يثير مخاوف من انهيار الترتيبات التي أنهت الحرب السابقة، ويفتح الباب أمام صراع أوسع قد يتجاوز الحدود الإثيوبية إلى إريتريا والسودان والبحر الأحمر.
وتأتي هذه التطورات بعد أربع سنوات تقريباً من اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الإثيوبية في تيغراي بين عامي 2020 و2022، وهي الحرب التي خلفت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة. غير أن اتفاق السلام ظل هشاً، إذ استمرت الخلافات حول وضع غرب تيغراي، ومستقبل الإدارة الإقليمية، ونزع سلاح القوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيغراي، فضلاً عن استمرار وجود قوات أمهرا في مناطق متنازع عليها.
وفي أغسطس/آب الجاري، اندلعت مواجهات جديدة في غرب تيغراي، خصوصا في محيط شيريرينا وعلى مقربة من الحدود السودانية والإريترية. وأفادت تقارير بأن قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي تحركت من مناطق في السودان باتجاه الأراضي الإثيوبية، فيما رد الجيش الإثيوبي باستخدام المدفعية والطائرات المسيّرة. وتبادلت الحكومة الإثيوبية والجبهة الاتهامات بشأن الطرف الذي بدأ التصعيد، في وقت لم تُحسم فيه بصورة مستقلة المسؤولية عن اندلاع المواجهات.
ولم تتوقف مظاهر التصعيد عند الاشتباكات البرية، إذ اتهمت سلطات تيغراي الجيش الإثيوبي بتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة داخل الإقليم، وهو ما وصفته بأنه تصعيد خطير في ظل الحشد العسكري المتبادل. وتشير التطورات الميدانية إلى أن الطرفين لم يتخليا عن خياراتهما العسكرية، رغم أن القتال لم يتحول حتى الآن إلى حرب شاملة على غرار حرب 2020-2022.
غير أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في احتمال عودة الحرب بين أديس أبابا وتيغراي، وإنما في البيئة الإقليمية التي أصبحت أكثر تعقيداً منذ انتهاء الحرب السابقة. فقد تحولت أزمة تيغراي تدريجياً من نزاع داخلي إثيوبي إلى عقدة تتقاطع فيها حسابات إثيوبيا وإريتريا والسودان ومصر والسعودية والإمارات، إضافة إلى المصالح الأمريكية المرتبطة بأمن البحر الأحمر.
وتبرز إريتريا باعتبارها أحد أهم المتغيرات في المعادلة الجديدة. فالعلاقة التي جمعت أسمرة بأديس أبابا خلال حرب تيغراي السابقة تدهورت بصورة كبيرة بعد اتفاق بريتوريا، خصوصاً بعدما لم تكن إريتريا طرفاً في الاتفاق الذي أنهى الحرب. كما أدى إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على تأمين منفذ لبلاده إلى البحر الأحمر إلى زيادة المخاوف الإريترية من الأطماع الإثيوبية في ميناء عصب. وتشير تحليلات حديثة إلى أن إريتريا عززت علاقاتها مع جناح متشدد داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، فيما ظهرت مؤشرات على دعم إريتري للجبهة في حال اندلاع مواجهة جديدة مع أديس أبابا.
وهنا ينتقل الصراع من كونه أزمة إثيوبية داخلية إلى جزء من معركة أوسع حول من يملك النفوذ على البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، تنظر إلى استعادة منفذ بحري باعتباره قضية استراتيجية واقتصادية، بينما ترى إريتريا أن أي ترتيب يمنح أديس أبابا نفوذاً عسكرياً أو سياسياً على ساحلها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها وسيادتها.
وتتقاطع هذه الحسابات مع الموقف المصري. فالقاهرة تنظر إلى إثيوبيا من زاويتين مترابطتين: الأولى مرتبطة بسد النهضة ومخاوف مصر من مستقبل حصتها من مياه النيل، والثانية مرتبطة بالتوسع الإثيوبي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ولذلك أصبح التقارب المصري الإريتري أحد أبرز ملامح التحولات الجيوسياسية في المنطقة. وتشير دراسة لمعهد الشؤون الدولية والأمنية الألماني إلى أن مصر وإريتريا عززتا تعاونهما، بما في ذلك التعاون في المجال البحري، في الوقت الذي تنظر فيه القاهرة بقلق إلى طموحات إثيوبيا البحرية.
ولا تقف السعودية بعيداً عن هذه المعادلة. فالأمن البحري للبحر الأحمر أصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى الرياض في ظل اضطراب الملاحة في المنطقة وتصاعد تهديد الحوثيين للممرات البحرية. وقد أطلقت السعودية في يوليو/تموز 2026 تحالفاً بحرياً متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر والممرات المجاورة، في خطوة تعكس ارتفاع أهمية البحر الأحمر في الحسابات الأمنية والاستراتيجية الإقليمية.
وفي الجهة المقابلة، ترتبط الإمارات بعلاقات قوية مع أديس أبابا، سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وقد كانت أبوظبي من أبرز الداعمين الإقليميين للحكومة الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة، بما في ذلك تقديم الدعم العسكري والطائرات المسيّرة. كما ارتبطت الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا بملف الوصول إلى البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل التنافس السعودي-الإماراتي عاملاً لا يمكن تجاهله عند قراءة مستقبل الأزمة الإثيوبية.
ويزداد المشهد تعقيداً بسبب الحرب السودانية. فشرق السودان وغرب إثيوبيا أصبحا جزءاً من شبكة تحالفات عسكرية متشابكة، مع وجود صلات بين جبهة تحرير شعب تيغراي والجيش السوداني، في مقابل تنامي التعاون بين أديس أبابا وقوات الدعم السريع وفق تقارير بحثية متخصصة. وهذا يعني أن أي حرب جديدة في تيغراي يمكن أن تتحول سريعاً إلى أزمة عابرة للحدود، خصوصاً إذا استخدمت الأطراف الأراضي السودانية والإريترية كممرات للدعم والتحرك العسكري.
ومن هنا تبدو خطورة المرحلة الراهنة مختلفة عن حرب 2020-2022. ففي الحرب السابقة كان مركز الصراع الأساسي داخل إثيوبيا، رغم التدخل الإريتري والدعم الخارجي للحكومة الإثيوبية. أما اليوم فقد أصبح النزاع جزءاً من شبكة أوسع من التنافس على البحر الأحمر، ومياه النيل، وموانئ المنطقة، والحرب السودانية، والمنافسة السعودية-الإماراتية، فضلاً عن الصراع الأوسع على النفوذ في القرن الأفريقي.
ولهذا فإن عودة الحرب إلى تيغراي، إذا تحولت من اشتباكات محدودة إلى مواجهة شاملة، قد لا تكون مجرد نسخة ثانية من حرب السنوات السابقة. السيناريو الأخطر هو أن يتحول الإقليم إلى ساحة حرب بالوكالة تتواجه فيها بصورة غير مباشرة قوى إقليمية متنافسة، بحيث يصبح الإثيوبيون والإريتريون والسودانيون في الخطوط الأمامية لصراع أوسع على النفوذ والموانئ والممرات البحرية.
وتراقب الولايات المتحدة هذا المشهد بحذر، ليس فقط بسبب أهمية إثيوبيا والقرن الأفريقي، وإنما لأن أي توسع للصراع باتجاه إريتريا والسودان والبحر الأحمر سيضع واشنطن أمام معادلة صعبة، خصوصاً مع اعتمادها على علاقات وثيقة مع كل من السعودية والإمارات، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلاً تصعيداً واسعاً مرتبطاً بالحرب مع إيران وأمن الملاحة البحرية.
وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستندلع حرب جديدة في تيغراي؟ بل أصبح: هل تستطيع إثيوبيا وإريتريا وتيغراي احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى حرب إقليمية بالوكالة؟ فكلما طال أمد الحشد العسكري، وتعمقت التحالفات العابرة للحدود، أصبح احتمال انتقال الصراع من الجبال والحدود الإثيوبية إلى البحر الأحمر أكثر واقعية.
إن أخطر ما في الأزمة الحالية هو أن تيغراي لم تعد تتحرك داخل فراغ إقليمي. فالإقليم يقع عند نقطة التقاء ثلاثة ملفات استراتيجية: البحر الأحمر، ونهر النيل، والحرب السودانية. وإذا اجتمعت هذه الملفات داخل حرب واحدة، فقد لا تكون إثيوبيا وحدها أمام أزمة جديدة، بل قد يجد القرن الأفريقي نفسه أمام صراع إقليمي واسع يعيد رسم توازنات القوة في المنطقة.
شارك المقال























Leave a Reply