رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /
مع صدور قانون تنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية، وجد عدد من المحامين أنفسهم أمام شعور بالغ بالمرارة، وكأنهم تعرضوا لغدر مزدوج، أوله من مجلس النواب، الذي أحال إلى المحكمة الدستورية وثائق قيل إنها غير مطابقة للأصل، وثانيه من المحكمة الدستورية نفسها، التي لم تطلب من المجلس موافاتها بالصيغة النهائية للمقترح المحال عليها إلا بعد مرور أكثر من شهر، رغم أن المسافة بين المؤسستين لا تتجاوز دقائق معدودة سيرا على الأقدام.
لكن المفارقة الأبرز أن قرار المحكمة الدستورية لم يحسم في مدى مطابقة القانون للدستور أو مخالفته له، وإنما انتهى إلى تعذر البت في الإحالة بالصيغة التي قدمت إليها. وبذلك، وجد النص طريقه إلى الجريدة الرسمية، وأصبح قانونا نافذا، تاركا وراءه أسئلة لم تعد مرتبطة بمهنة المحاماة وحدها، وإنما بكيفية اشتغال المؤسسات التشريعية والدستورية نفسها.
هذه ليست، في جوهرها، حكاية قانون واحد، ولا مجرد خلاف مهني بين المحامين ووزارة العدل. إنها حلقة أخرى في مسار تشريعي بات يثير أسئلة متزايدة حول طريقة إعداد القوانين وتمريرها، وحول المسافة الفاصلة بين النصوص التي يفترض أن تعكس إرادة المجتمع، والكيفية التي تتحول بها تلك النصوص إلى قواعد ملزمة للجميع.
فقانون تنظيم مهنة المحاماة، بما يتضمنه من مقتضيات تثير نقاشا حول استقلال المهنة وحدود تدخل الوزارة الوصية، يأتي ضمن سلسلة تشريعات أثارت بدورها سجالات واسعة، من مدونة الأسرة إلى قانون المسطرة الجنائية ثم المسطرة المدنية، وصولا إلى القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة.
ولا تبدو المسألة مرتبطة بحكومة عزيز أخنوش وحدها، بقدر ما تعكس إشكالا أوسع في الممارسة التشريعية خلال مرحلة ما بعد دستور 2011. لأن السؤال الحقيقي لم يعد فقط هو ماذا تقول القوانين؟ بل كيف تصنع هذه القوانين؟ ومن يقررها؟ وبأي قدر تعكس فعلا إرادة ممثلي الأمة؟
إن البرلمان في المنطق الديمقراطي، ليس مجرد محطة إجرائية تمر عبرها النصوص، وإنما هو فضاء يفترض أن تتجسد داخله إرادة الناخبين. والتشريع في جوهره، هو القانون الذي يصوت عليه ممثلو الأمة، بعد نقاش ومساءلة وتداول يفترض أن يمنح النص شرعيته السياسية والديمقراطية.
لكن حين تمر قوانين تمس حياة ملايين المواطنين بأقل من سبعين صوتا مؤيدا، بينما يغيب أكثر من ثلثي أعضاء المؤسسة التشريعية، فإن السؤال الذي يصبح مشروعا، هو إلى أي حد يمكن اعتبار هذا التصويت تعبيرا فعليا عن الإرادة الشعبية؟
صحيح أن القانون قد يكون مستوفيا من الناحية الشكلية للشروط والإجراءات المنصوص عليها، وأن النصاب القانوني للتصويت قد يكون متحققا وفق القواعد المعمول بها، لكن المشروعية القانونية شيء، والشرعية السياسية والديمقراطية شيء آخر. لأن القانون قد يستوفي شروطه الإجرائية، ومع ذلك يظل من حق المجتمع أن يسأل عن حجم المشاركة الفعلية لممثليه في صياغته وإقراره.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة الأعمق، وهي عندما يغيب العدد الأكبر من النواب عن جلسات التصويت، ثم تصبح النصوص التي يقرها عدد محدود منهم ملزمة لجميع المواطنين وفي مختلف جهات المملكة، فإن الأمر يتجاوز النقاش حول قانون بعينه، ليصل إلى جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسة التي يفترض أن تمثله.
ومن هذه الزاوية أيضا، يصبح قانون المحاماة مناسبة لطرح سؤال أكبر، وهو هل نعيش ممارسة ديمقراطية مكتملة الأركان، أم أن هناك فجوة تتسع بين الشكل الديمقراطي للمؤسسات وبين الممارسة الفعلية داخلها؟
والأمر لا يتعلق فقط بعدد الأصوات، وإنما بثقافة سياسية وتشريعية كاملة. فالديمقراطية لا تختزل في وجود برلمان وانتخابات وأحزاب وتصويتات، بل تقاس أيضا بمدى فعالية المؤسسات المنتخبة، وبحجم النقاش العمومي الذي يسبق صناعة القوانين، وبقدرة ممثلي الأمة على ممارسة دورهم الرقابي والتشريعي باستقلالية وفعالية.
أما حين تصبح مشاركة عدد محدود من النواب كافية لإقرار قوانين تنظم حقوق المواطنين وحرياتهم والتزاماتهم، بينما يظل الجزء الأكبر من المؤسسة التشريعية غائبا عن لحظة الحسم، فإن صورة الديمقراطية قد تظل قائمة في الشكل، لكن مضمونها يصبح محل مساءلة.
ولعل الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الممارسة قد يجعل البرلمان يتحول، تدريجيا، من فضاء لصناعة القرار التشريعي إلى مجرد محطة لإضفاء الصيغة القانونية على قرارات سبق أن تشكلت خارج فضائه.
وهنا يبرز أيضا السؤال المتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه، وبحدود التداخل بين مركزية المؤسسة الملكية وبين الآليات الديمقراطية التي أقرها دستور 2011. وليس المقصود بالضرورة إنكار وجود المؤسسات المنتخبة أو التقليل من أدوارها، وإنما مساءلة مدى استقلالية وفعالية هذه المؤسسات في ممارسة الاختصاصات التي يفترض أن تكون لها.
إن الدستور لا يكتسب معناه بمجرد وجود نصوص متقدمة، وإنما بمدى ترجمة تلك النصوص إلى ممارسة مؤسساتية حقيقية. والديمقراطية لا تقاس فقط بما يظهر في الواجهة، وإنما أيضا بما يحدث داخل غرف صناعة القرار، وبمدى حضور صوت الناخب من خلال ممثليه.
لذلك، فإن الجدل الذي أثاره قانون تنظيم مهنة المحاماة قد يكون أوسع بكثير من مقتضياته المهنية. إنه يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد حول صناعة القانون في المغرب، وحول العلاقة بين البرلمان والحكومة والمؤسسات الدستورية، وحول معنى التمثيلية الشعبية عندما تكون نسبة المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار التشريعي محدودة إلى هذا الحد.
وخلاصة كل ذلك، ليست القضية فقط أن قانونا صدر ونشر وأصبح نافذا، وإنما كيف وصل إلى تلك اللحظة. فطريقة صناعة القانون لا تقل أهمية عن مضمون القانون نفسه، لأن التشريع الديمقراطي لا يستمد قوته من إلزاميته فقط، وإنما أيضا من اقتناع المواطنين بأن النص الذي يحكم حياتهم كان ثمرة مؤسسة تمثلهم، ونقاش حقيقي يشارك فيه ممثلوهم، وتصويت يعكس، قدر الإمكان إرادتهم.
وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة، وهو هل تكفي شرعية الإجراءات لمنح القانون شرعية ديمقراطية كاملة، أم أن الديمقراطية تبدأ تحديدا من اللحظة التي يشعر فيها المواطن أن صوته حاضر فعلا داخل النص الذي سيحكمه؟
شارك المقال























Leave a Reply