شباب يهرب من وطن علمهم ولم يمنحهم سببا للبقاء

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


ما جرى على حدود سبتة ليس مجرد مشهد مؤلم لشباب يغامرون بحياتهم بحثا عن طريق إلى الضفة الأخرى، وليس مجرد ملف أمني يمكن إغلاقه بالأسلاك والحواجز والقوات. بل إنه مشهد سياسي بامتياز، ومرآة قاسية لواقع مغربي بات من الصعب على الدولة الاستمرار في تجاهله. فلماذا يريد جزء من شباب المغرب الرحيل بأي ثمن؟

حين يصل آلاف الشباب إلى مرحلة المخاطرة بالغرق أو الموت أو الاعتقال من أجل الوصول إلى سبتة، فالمشكلة لم تعد في الحدود وحدها، بل في الداخل. الحدود لا تصنع حلم الهجرة، إنها فقط تكشف حجم اليأس الذي سبقه.

الشاب الذي يبلغ الثامنة عشرة أو العشرين أو الخامسة والعشرين لا يصل إلى لحظة الهجرة من العدم. إنه نتاج سنوات طويلة من الإنفاق العمومي والأسري، فهناك مدارس، أساتذة، جامعات، تكوين، خدمات صحية، ونفقات تحملتها الأسرة والمجتمع والدولة. وبعد كل هذا الاستثمار، يفترض أن تبدأ مرحلة العطاء، وأن يتحول هذا الشاب إلى قوة منتجة تساهم في الاقتصاد الوطني. لكن المفارقة الصادمة هي أن المغرب قد ينفق سنوات في إعداد شبابه، ثم تأتي أوروبا لتستفيد من ثمار هذا الاستثمار.

فالشاب الذي يعجز عن العثور على فرصة حقيقية في بلده، يصبح في الضفة الأخرى عاملا في الفلاحة أو البناء أو الفنادق والمطاعم أو النقل أو الخدمات أو الرعاية. أما الطبيب والمهندس والمبرمج والباحث والتقني، فإن خسارته بالنسبة إلى بلده أكبر بكثير، لأن الدولة لا تفقد فردا فقط، بل تفقد سنوات من التكوين والخبرة والقدرة على الإنتاج والابتكار وتكوين أجيال جديدة. وهنا تحديدا يجب أن يتوقف الخطاب الرسمي عند المرآة.

لا يمكن اختزال قضية الهجرة في “أعداء الوطن” أو “الشباب المضلل” أو في عمليات أمنية لمنع الاقتحام. ولا يمكن أن تتحول كل أزمة اجتماعية إلى مناسبة لإلقاء المسؤولية على الخارج. فالدولة التي تريد من شبابها أن يبقوا، مطالبة أولا بأن تمنحهم سببا مقنعا للبقاء.

ما جدوى الحديث المتواصل عن النمو والاستثمارات والمشاريع الكبرى إذا كان شاب حاصل على شهادة جامعية يرى أن مستقبله الوحيد هو البطالة أو العمل الهش أو الانتظار الطويل؟ وما معنى الحديث عن الطموح إذا كان الحصول على وظيفة مستقرة يبدو بالنسبة إلى كثيرين أصعب من الحصول على تأشيرة؟ وما قيمة المؤهلات إذا كان صاحبها يشعر بأن الكفاءة ليست دائما الطريق الأسرع إلى الفرصة؟

المشكلة ليست أن الشباب المغربي لا يحب وطنه. المشكلة أن الوطن، في نظر شريحة منهم، لم يعد يقدم لهم ما يكفي كي يربطوا مستقبلهم به. وهذه مسؤولية سياسية قبل أن تكون اقتصادية.

إن الحكومة مطالبة بأن تتوقف عن التعامل مع الشباب باعتبارهم رقما انتخابيا أو فئة مستهدفة بخطابات المناسبات. المطلوب سياسة وطنية حقيقية لاستبقاء الشباب والكفاءات، وذلك بتوفير وظائف أولى محترمة، أجور تتيح بداية حياة كريمة، سكن في المتناول، تمويل فعلي للمشاريع الصغيرة، تكوين مرتبط بحاجات سوق الشغل، ربط الجامعات بالمقاولات، وتحفيز المؤسسات التي توظف الشباب وتكونهم وتحتفظ بهم.

أما أن يتم الاستثمار في تكوين الطبيب ثم تركه يبحث عن مستقبله في الخارج، أو تكوين المهندس والمبرمج والباحث ثم الاكتفاء بالأسف عندما يغادر، فذلك ليس قدرا محتوما، بل نتيجة لسياسات فاشلة، ويجب مراجعتها.

صحيح أن المهاجرين يقدمون مساهمات مهمة للمغرب عبر تحويلاتهم واستثماراتهم وصلاتهم الاقتصادية والثقافية، وصحيح أيضا أن أوروبا تتحمل تكاليف مرتبطة بالاندماج والسكن والخدمات والحماية الاجتماعية. لذلك لا يصح تصوير الهجرة وكأنها عملية ربح مجاني لأوروبا. لكن ذلك لا يلغي السؤال الأكبر، وهو من الذي يخسر عندما يغادر جيل كامل في سن الإنتاج؟

المغرب لا يخسر فقط اليد العاملة. إنه يخسر سنوات من التعليم، والطاقة، والأفكار، وروح المبادرة، والقدرة على بناء المؤسسات والمشاريع. وفي المقابل، تستفيد اقتصادات تعاني أصلا من الشيخوخة الديموغرافية من قوة شابة جاهزة للعمل. وهنا تصبح القضية أكثر خطورة من مجرد “هجرة غير نظامية”. إنها مسألة استنزاف لرأس المال البشري.

ومن المؤسف أن تتحرك الدولة بقوة عندما يقترب الشباب من الحدود، بينما لا تتحرك بالقوة نفسها عندما يقترب الشباب من حافة اليأس. تحشد الأجهزة لمنعهم من العبور، لكن أين الحشد نفسه عندما يتعلق الأمر بتوفير فرص العمل والسكن والتكوين والعدالة في الوصول إلى الفرص؟

من السهل حماية الحدود بالأسلاك والشرطة. والأصعب هو بناء بلد لا يريد شبابه الهروب منه. ومن السهل أن تقول للشاب: “لا تهاجر”. والأصعب أن تجيبه عندما يسأل: “وماذا سأفعل هنا؟”

هذه هي المعادلة التي يجب أن تواجهها الحكومة بشجاعة، بعيدا عن الخطابات التجميلية. لأن كل شاب يغامر بحياته للوصول إلى سبتة هو، قبل أن يكون ملفا أمنيا، هي رسالة سياسية صريحة إلى الدولة. والرسالة تقول إن هناك فجوة عميقة بين صورة المغرب التي تقدم في الخطاب الرسمي، وبين الواقع الذي يعيشه جزء من شبابه.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود مع سبتة، بل داخل سوق الشغل، وفي الجامعات، وفي الإدارات، وفي سياسات السكن، وفي فرص الاستثمار، وفي طريقة توزيع الفرص.

فإذا استمرت الدولة في تعليم الشباب وتأهيلهم ثم تتخلى عنهم تتركهم يبحثون عن مستقبلهم خارج البلاد، فعليها أن تعترف بحقيقة مؤلمة، وهي أن المغرب لا يخسر شبابه عند الحدود، بل يبدأ في خسارتهم قبل ذلك بسنوات. وأما أوروبا، فلا تحتاج دائما إلى استقطاب الشباب المغربي ببرامج معقدة، يكفي أن يقرر هؤلاء بأنفسهم أن مستقبلهم يوجد هناك.

وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى، وهي قد تنجح الدولة في منع آلاف الشباب من عبور الحدود، لكنها لن تنجح في منعهم من التفكير في الرحيل ما لم تغيّر الأسباب التي تدفعهم إليه. لأن الحدود التي تحتاج إلى التأمين فعلا ليست حدود سبتة فقط، إنها الحدود الفاصلة بين الوعود والواقع، بين الشهادة والوظيفة، بين العمل والحياة الكريمة، وبين شباب يريد أن يبني مستقبله في وطنه ودولة لم تمنحه بعد ما يكفي من الأسباب كي يفعل ذلك.

وإذا لم تغلق هذه الفجوة، فستظل كل موجة هجرة جديدة مجرد إنذار مؤجل لأزمة أكبر.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *