رصد المغرب /الحيداوي عبد الفتاح
المغرب يقف اليوم أمام لحظة سياسية حاسمة. فالانتخابات المقبلة ليست مجرد موعد دستوري عادي، بل هي اختبار حقيقي لذاكرة المواطنين وقدرتهم على تقييم خمس سنوات من التدبير الحكومي.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مغربي على نفسه ليس: من سيقدم لي أكبر عدد من الوعود؟ بل: ماذا فعل الذين حكموا خلال السنوات الماضية؟ وماذا تغير فعلاً في حياة المواطنين؟
لقد كان المرض الحقيقي للحكومة السابقة هو اتساع المسافة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي. وعود كثيرة، وأرقام كثيرة، وحملات تواصلية كثيرة، لكن المواطن ظل يواجه يومياً غلاء المعيشة، وصعوبة الخدمات، وأزمة الشغل، وتراجع القدرة الشرائية، وشعورا متزايدا بأن السياسة لم تعد تعبر عن مشاكله الحقيقية.
والأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد أزمة حكومة فقط، بل أصبحت أزمة ثقة في العمل السياسي كله. فعدد متزايد من المغاربة لم يعد يرى في الانتخابات وسيلة حقيقية للتغيير، وأصبح العزوف عن المشاركة تعبيرا عن فقدان الثقة أكثر منه مجرد موقف سلبي. والجدل حول المشاركة والمقاطعة عاد بقوة إلى النقاش العمومي قبل استحقاقات 2026، وهو مؤشر على عمق الأزمة بين المواطن والوساطة الحزبية.
إن أخطر سيناريو يمكن أن يعرفه المغرب هو أن يصوت المواطنون مرة أخرى للأحزاب نفسها التي شكلت الحكومة السابقة، دون محاسبة سياسية حقيقية على الحصيلة. عندها لن يكون من حقنا أن نتفاجأ إذا استمرت الأزمات نفسها، وعادت الوعود نفسها، واستمرت لغة التبرير نفسها.
فخمس سنوات أخرى بالأدوات نفسها والعقليات نفسها والسياسات نفسها قد تعني خمس سنوات عجاف جديدة.
المغرب لا يحتاج إلى انتخابات لتغيير المقاعد فقط، بل يحتاج إلى تغيير في معنى المسؤولية السياسية. يحتاج إلى أحزاب تستمع قبل أن تتكلم، وإلى مسؤولين يعتبرون المنصب تكليفا لا امتيازا، وإلى حكومة تعرف أن المواطن لا يعيش بالأرقام والخطابات، بل بما يشعر به في السوق، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي البحث عن العمل.
الانتخابات التشريعية المقبلة، المقررة في 23 شتنبر 2026، ستكون لحظة اختبار حقيقية: هل سيتغير الاختيار السياسي للمغاربة، أم ستتم إعادة إنتاج التجربة نفسها بوجوه وشعارات متشابهة؟
إن الشعب الذي فهم اللعبة السياسية لا ينبغي أن يكتفي بمشاهدتها من بعيد. فالمحاسبة تبدأ من صندوق الاقتراع، والتغيير يبدأ عندما تصبح الذاكرة السياسية أقوى من الوعود الانتخابية.
المغرب أمام خيار واضح:
إما أن نتعلم من خمس سنوات مضت، وإما أن نستعد لخمس سنوات أخرى من الندم.
شارك المقال























Leave a Reply