هل حان وقت تغيير الوجوه أم تغيير وظيفة الأحزاب؟ 

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي /


هل حان الأوان لتغيير الوجوه الحزبية التي تتكرر أمام المغاربة منذ عقود، أم أن المشكلة أعمق من ذلك وتتعلق بوظيفة الحزب نفسه؟ فبعد أكثر من ستين سنة على التجربة الحزبية المغربية، لم يعد السؤال المطروح هو متى تتغير الوجوه، بل متى تتغير وظيفة الحزب، ذلك أن جزءا واسعا من الشباب لم يعد يشعر بأن هذه الوجوه تمثله، بل صار يرى في استمرارها دليلا على أزمة بنيوية تتجاوز ضعف البرامج الانتخابية.

المشكلة لا تكمن في عمر السياسي أو في طول بقائه في القيادة، بل في نموذج سياسي يجعل الحزب يقترب من المواطن بكثافة في موسم الانتخابات، ثم ينسحب من الحياة العامة والنقاش المجتمعي بمجرد انتهاء الاستحقاق. والحال أن الدستور المغربي لا يختزل الحزب في آلة انتخابية، فالفصل السابع منه يمنحه مهمة تأطير المواطنين وتكوينهم سياسيا، وتعزيز مشاركتهم في تدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين وممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب. فإذا كان الدستور يمنح الحزب هذه الوظيفة الواسعة، فلماذا ارتبطت صورته في المجال العام أساسا باللوائح والمرشحين والمقاعد والتحالفات؟

في الماضي كان الحزب يمتلك قدرة على إنتاج الثقافة السياسية، فكان مدرسة ومنتدى فكريا ومجالا لتكوين المناضل ومناقشة قضايا التعليم والاقتصاد والسياسة الخارجية والمجتمع. أما اليوم فقلة من الأحزاب تقدم للمغاربة تصورا مستقلا ومنتظما حول مستقبل التعليم أو النموذج الاقتصادي أو الذكاء الاصطناعي أو مكانة المغرب في إفريقيا أو التحولات التي يعيشها الشباب. فلا يكفي أن يكون للحزب برنامج انتخابي، بل يحتاج إلى مختبر دائم للأفكار، لأن الانتخابات تأتي كل بضع سنوات بينما يتغير المجتمع كل يوم.

وليس من الإنصاف تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية ضعف الحياة السياسية، فثمة فرق بين القول إن الأحزاب تخلت عن جزء من أدوارها والقول إن الدولة وحدها منعتها من القيام بهذا الدور. فالمجال السياسي في المغرب تحكمه بنية دستورية ومؤسساتية تربط بعض الملفات الاستراتيجية بمؤسسات الدولة العليا، وهذا أمر له أساس دستوري واضح باعتبار المغرب ملكية دستورية توزع الاختصاصات بين الملك والحكومة والبرلمان. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التمييز بين مجال الدولة الاستراتيجي ومجال التنافس الحزبي إلى ثقافة سياسية تجعل الأحزاب نفسها تتردد في مقاربة القضايا الكبرى وكأنها مناطق محظورة. وهنا لا بد من طرح السؤال بوضوح: هل نريد أحزابا تتنافس فقط على تدبير المتاح، أم أحزابا قادرة على التفكير في مستقبل الدولة والمجتمع حتى وهي خارج موقع القرار النهائي؟

وجود دولة قوية ومؤسسات استراتيجية راسخة لا يستلزم بالضرورة وجود أحزاب ضعيفة، بل يمكن أن تكون العلاقة عكس ذلك، فكلما كانت الدولة أقوى كان بإمكانها أن تتيح تعدد الآراء حول القضايا الكبرى دون أن تعتبر الاختلاف تهديدا لها. ومناقشة الحزب لقضية وطنية كبرى لا تعني منازعته لمؤسسات الدولة اختصاصاتها، فالديمقراطية لا تعني أن كل حزب يملك القرار النهائي في كل شيء، بل تعني أن يمتلك المجتمع فضاءات منظمة للتفكير والاقتراح والمساءلة والمنافسة. والدستور نفسه يمنح المعارضة البرلمانية أدوارا تتجاوز تسجيل المواقف، إذ ينص على حقوقها في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والدبلوماسية البرلمانية والدفاع عن القضايا العادلة للوطن. فماذا فعلت الأحزاب بهذه المساحة؟ وهنا ينبغي أن ينتقل النقد من الدولة إلى الأحزاب نفسها، لأنها لا تستطيع أن تكتفي بالقول (لم يسمح لنا)، قبل أن تجيب عن أسئلة من قبيل: كم حزب أنشأ مركزا حقيقيا للدراسات؟ كم حزب أصدر دراسات استراتيجية منتظمة؟ كم حزب نظم مناظرات وطنية بعيدا عن الاستحقاقات الانتخابية؟ كم حزب فتح أبوابه للباحثين والجامعيين والشباب؟ وكم حزب يستطيع أن يقدم للمواطن رؤية لمستقبل المغرب بعد عشرين سنة، لا مجرد برنامج للانتخابات المقبلة؟

أخطر ما يمكن أن يصيب الحزب هو أن يتحول المقعد إلى غاية في ذاته، فحين يصبح الهدف هو الحصول على مقعد برلماني أو رئاسة جماعة أو موقع حكومي، تتحول السياسة تدريجيا من مشروع مجتمعي إلى مسار مهني للنخب، وتصبح أسئلة من قبيل من سيرشح ومن سيحصل على التزكية أكثر حضورا من أسئلة أي تعليم نريد وأي اقتصاد نريد وكيف نواجه الفوارق الاجتماعية وكيف نعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات. وهكذا يصبح الحزب أسيرا للانتخابات بدل أن تكون الانتخابات وسيلة لتحقيق مشروع سياسي.

وتغيير القيادات القديمة بوجوه أصغر سنا لا يكفي وحده، فقد يكون للحزب وجوه شابة وهو يمارس السياسة بالطريقة القديمة نفسها. والمطلوب ليس تجديد الأعمار فقط بل تجديد الثقافة السياسية، لأن الشاب لا يريد بالضرورة أن يرى شخصا في الأربعين بدل شخص في السبعين، بل يريد أن يرى سياسة مختلفة تتحدث عن العالم الذي يعيش فيه.

فالحزب الذي لا ينتج الثقافة السياسية يتحول إلى جهاز انتخابي، والحزب الذي لا يكوّن أعضاءه يتحول إلى شبكة انتخابية، والحزب الذي لا يناقش الأفكار يتحول إلى مجموعة من المنتخبين، والحزب الذي لا يفتح نقاشا داخليا حقيقيا يعجز عن إقناع المجتمع بقدرته على إدارة الاختلاف داخل الدولة. والدستور نفسه يجعل من التكوين السياسي للمواطنين وظيفة حزبية، فأين المدارس الحزبية والدورات الفكرية والمجلات السياسية ومراكز الدراسات والمناظرات والنقاشات التي تستمر طوال السنة ولا تتوقف عند موسم الانتخابات؟

والنقد لا ينبغي أن يكون في اتجاه واحد، فإذا كانت الأحزاب مطالبة بالاستقلال الفكري والقدرة على إنتاج البدائل، فإن المجال السياسي مطالب أيضا بتوفير الشروط التي تتيح لها ممارسة هذه الوظيفة، خصوصا أن الخطاب الرسمي نفسه سبق أن دعا إلى الانتقال من الموسمية الانتخابية إلى الاستمرارية التأطيرية، واستيعاب النخب الجديدة من الشباب والنساء، وبلورة مشاريع مجتمعية متميزة. وهذا يعني أن أزمة الأحزاب ليست جديدة ولا خفية، بل ظلت الحاجة إلى إعادة تأهيلها السياسي مطروحة رسميا منذ سنوات، فلماذا لم تتحول هذه الدعوات إلى تغيير عميق في الممارسة الحزبية؟

وإذا لم تكن الأحزاب هي من يناقش القضايا الكبرى، فمن سيناقشها؟ فإذا انسحبت من المجال الفكري ستملأه شبكات التواصل الاجتماعي، وإذا غابت عن إنتاج التفسير السياسي سيأتي التفسير من المؤثرين، وإذا لم تنتج البدائل سيجد المواطن نفسه أمام خطاب واحد من جهة وردود أفعال متفرقة من جهة أخرى، والنتيجة ليست بالضرورة استقرارا سياسيا أكبر بل قد تكون فراغا سياسيا، وهو ما حذر منه الخطاب الرسمي نفسه في مرحلة سابقة حين دعا الأحزاب إلى تأطير الأجيال الصاعدة وترسيخ المشاركة الديمقراطية.

والمطلوب ليس أن تتحول الأحزاب إلى سلطة موازية تنازع مؤسسات الدولة اختصاصاتها أو تتحدث باسمها في القضايا التي لها مؤسساتها الدستورية، بل المطلوب أبسط وأعمق: أن تصبح مؤسسات سياسية حقيقية تنتج الأفكار وتقدم البدائل وتناقش السياسات العمومية وتستقطب الكفاءات وتؤطر الشباب وتجدد قياداتها، وتمارس المعارضة حين تكون في المعارضة والحكم حين تصل إليه، وتتحمل مسؤولية برامجها حين يمنحها المواطنون أصواتهم.

فالمشكلة الأساسية في الديمقراطية ليست الوصول إلى الحكم بل تحمل مسؤوليته، فالحزب الفائز في الانتخابات ينبغي ألا ينظر إلى الدولة باعتبارها جهازا لتنفيذ برنامجه فقط، وفي المقابل ينبغي ألا تتحول الحكومة الحزبية إلى واجهة لتنفيذ سياسات لم تشارك الأحزاب في صياغتها فعليا. فالحكم يعني أن يقول الحزب للمواطن هذه رؤيتنا وهذه سياستنا وهذه نتائجها ومسؤوليتنا عنها، فإن نجح حاسبه المواطن بالاستمرار، وإن أخفق حاسبه بالانتقال إلى بديل آخر، وهذا ما يمنح الانتخابات معناها الحقيقي.

بعد أكثر من ستين سنة، لم يعد السؤال هل نحتاج إلى الأحزاب، بل أي أحزاب نريد أحزابا تنتظر الانتخابات أم أحزابا تصنع النقاش قبلها وبعدها، أحزابا تبحث عن المقاعد أم أحزابا تبحث عن الأفكار، أحزابا تخشى الاقتراب من القضايا الكبرى أم أحزابا تناقشها ضمن الحدود الدستورية وتقدم فيها رؤى واقتراحات، أحزابا تتوارث الوجوه والمواقع أم أحزابا تتوارث المؤسسات والأفكار والكفاءات. فتجديد الحياة السياسية لا يبدأ بتغيير بعض الأسماء، بل يبدأ حين يصبح الحزب مؤسسة لإنتاج السياسة لا لإنتاج المرشحين، وحين يصبح الوصول إلى البرلمان وسيلة لممارسة السلطة ومراقبتها لا نهاية للمطاف، وحين يدرك الحزب أن المواطن يحتاجه طوال السنوات الفاصلة بين اقتراع وآخر لا يوم الاقتراع وحده. عندها فقط يمكن الحديث عن إعادة بناء الثقة بين الشباب والسياسة، فالمشكلة ليست أن الشباب يكره وجوه السياسيين فقط، بل أن كثيرا منهم لم يعد يرى في الحزب حاجة سياسية وفكرية وثقافية في حياته اليومية. وهذه، في النهاية، ليست أزمة وجوه، بل أزمة وظيفة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *