مواطنون فوق الهدم وآخرون تحت رحمة الجرافات؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


في بوزنيقة، لم يعد النقاش يتعلق فقط بفيلات أو «كابانوهات» شيدت داخل المجال البحري دون سندات ملكية، بل بات يطرح سؤالا أكبر وأخطر، وهو هل يطبق القانون على الجميع بالصرامة نفسها، أم أن هناك مواطنين يحظون بمعاملة استثنائية، فيما يترك آخرون لمواجهة الجرافات دون تردد؟

قرار تعليق إجراءات الهدم التي كانت تستهدف عددا من الفيلات والكابانوهات المقامة على الملك البحري العام، بعد مباشرة السلطات المحلية لإجراءاتها، وفي توقيت كان يفترض أن تنتهي فيه العملية، يفتح الباب أمام موجة من الاحتجاجات والأسئلة وربما الدعاوى القضائية من طرف متضررين قد يعتبرون أنفسهم ضحايا لتمييز في تطبيق القانون.

فالخطورة لا تكمن فقط في وقف الهدم، وإنما في السابقة التي قد يكرسها هذا القرار. فإذا كانت عقارات ساحلية أخرى، في مناطق مثل زناتة وطماريس وغيرها، قد هدمت للأسباب نفسها، وفي اوقات حرجة، وبمقتضى المنطق القانوني ذاته، فمن حق الرأي العام أن يعرف لماذا تتوقف الإجراءات هنا، بينما لم تتوقف في أماكن أخرى؟

لا يمكن لدولة القانون أن تعمل بمنطق «نعم هنا، ولا هناك»، ولا بمنطق أن وضعية عقار تتغير قانونيا بحسب نفوذ مالكه أو علاقاته أو قدرته على الوصول إلى مراكز القرار. وإذا كانت هناك أسباب قانونية حقيقية تبرر تعليق الهدم، فمن المفترض أن تكون هذه الأسباب واضحة ومعلنة وقابلة للتطبيق على جميع الحالات المماثلة، لا أن تتحول إلى استثناء خاص ببوزنيقة، حيث برر الأمر بأن العقارات جاءت ضمن الملك الخاص للدولة، وهذا تمويه، لأن الشاطئ هو ملك عمومي.

والأخطر أن استمرار التأجيل، إن تأكد، قد يرسخ لدى المواطنين انطباعا بالغ الخطورة مفاده أن القانون لا يملك القوة نفسها أمام الجميع، وأن بعض الملفات يمكن أن تتوقف بمجرد تدخل شخصيات نافذة، بينما تنتهي ملفات مواطنين آخرين بالجرافات وإزالة مساكنهم دون أن يجدوا المساحة نفسها للمراجعة أو الانتظار أو التفاوض.

وهنا تبرز المقارنة مع زناتة وطماريس، وحي المحيط بالرباط، وحي عنق الجمل بسلا الذي لازال سكانه مشردين، وغيرهم بشكل لا يمكن تجاهله. فهل يستطيع المواطن الذي هدم منزله هناك أن يطالب بالمعاملة نفسها التي حظيت بها عقارات بوزنيقة؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فما هو المعيار الذي يحدد هذا الفرق؟ وهل أصبح معيار تطبيق القانون هو الوضع الاجتماعي والقدرة على التأثير، أم أن المعيار يفترض أن يكون واحدا ووحيدا، وهو القانون؟

والأنكى من ذلك، هو إقحام اسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش في هذا الملف، كبيرهم الذي علمهم السحر، وغير بعيد أن يكون له دخل هناك بطريقة ما، سواء باعتباره الجهة التي ينسب إليها الحسم أو باعتبار الأمر مجرد تداول سياسي وإعلامي، فيتطلب بدوره أعلى درجات الوضوح، لأن الأمر يتعلق بالملك البحري العام وبمبدأ المساواة أمام القانون، وليس بنزاع عقاري عادي بين أفراد، أو ملك خاص للدولة.

المغاربة لا يحتاجون إلى خطابات عن دولة المؤسسات بقدر ما يحتاجون إلى رؤية هذه المؤسسات وهي تطبق القانون بالصرامة نفسها على القوي والضعيف، وعلى صاحب النفوذ والمواطن البسيط. فليس من المقبول أن يشعر مواطن بأن منزله يمكن أن يختفي بقرار إداري سريع، بينما يشعر آخر بأن بإمكانه كسب الوقت وانتظار تدخلات وتسويات واستثناءات.

إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذه القضية ليس بقاء فيلا أو «كابانو» من عدمه، وإنما تكريس فكرة وجود مواطنين بدرجات مختلفة أمام القانون، حيث هناك مواطن من الدرجة الأولى يستطيع أن يوقف قرارا، ومواطن من الدرجة الثانية ينتظر، وآخر من الدرجة الثالثة لا يجد أمامه سوى الجرافة. وهنا لم نعد في دولة القانون التي ينشدها المغاربة.

إذا كان الهدم قانونيا، فليطبق القانون على الجميع. وإذا كان هناك أساس قانوني لتعليقه، فليكشف عنه وليطبق على كل الحالات المماثلة. أما أن يصبح القانون قابلا للتوقف في مكان، وقابلا للتنفيذ بلا هوادة في مكان آخر، فذلك هو الطريق الأقصر لضرب الثقة في المؤسسات وإشاعة الإحساس بأن المواطنة نفسها أصبحت لها درجات.

بوزنيقة اليوم ليست مجرد ملف عقاري، إنها اختبار حقيقي لمبدأ المساواة أمام القانون، بحيث النتيجة التي ينتظرها الرأي العام بسيطة وواضحة، وهي لا استثناءات، لا امتيازات، ولا قانون بمعايير مزدوجة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *