المعارضة في أول امتحان للحكومة. حين يسبق الحكم التجربة

رصد المغرب / مراد مجاهد /


ليس من الضروري أن تكون مؤيداً لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري حتى تستوقفك الطريقة التي استقبلت بها بعض مكونات المعارضة برنامجها الحكومي، كما ليس من الضروري أن تكون معارضاً للمعارضة حتى تتساءل عن جدوى خطابها وحدود النقد الذي تمارسه. فالمسألة هنا لا تتعلق بمن نحب ومن نرفض، ولا بمن يستحق التصفيق ومن يستحق اللوم، وإنما تتعلق بشيء أبعد من الأشخاص والأحزاب، وهو طبيعة الممارسة السياسية التي نريدها في بلد يحتاج إلى حكومة تتحمل مسؤوليتها، ومعارضة تراقبها بجدية، ومواطن يريد أن يفهم ما يجري بعيداً عن ضجيج الحسابات الحزبية. وما لفت الانتباه في مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب يوم الخميس 22 أكتوبر 2026 هو ذلك الانطباع الذي قد يخرج به المتابع وهو يستمع إلى بعض المداخلات، ومفاده أن الحكومة مطالبة بتقديم حصيلة سنوات من العمل، بينما هي لم تبدأ بعد ممارسة مهامها بالمعنى الذي يسمح بالحكم على نتائج برنامجها في الواقع.

وهنا يحق لنا أن نتساءل بهدوء: هل نحن أمام نقاش يروم اختبار برنامج حكومي وتحديد نقاط قوته وضعفه، أم أمام مواجهة سياسية استُحضرت فيها أحكام جاهزة قبل أن تبدأ الحكومة أولى خطواتها التنفيذية؟ لا يتعلق الأمر بمطالبة المعارضة بالصمت، ولا بمنح الحكومة مهلة مفتوحة بعيداً عن الرقابة، فذلك فهم خاطئ للديمقراطية، وإنما يتعلق بالتمييز بين نقد مشروع يُبنى على مضمون البرنامج، وبين حكم مسبق يستعجل النتائج قبل اختبار الوسائل والقرارات والإجراءات التي ستعتمدها الحكومة لتنفيذ وعودها. فمن حق إدريس الأزمي الإدريسي، ومن حق ريم شباط، ومن حق سائر النواب المعارضين، أن يناقشوا البرنامج بكل جرأة، وأن يسألوا عن الوعود الانتخابية، وعن القدرة الشرائية، وعن التشغيل، وعن الريع وتضارب المصالح، وعن كل ما يرونه موضع خلل أو تناقض. بل إن هذه هي الوظيفة الأساسية للمعارضة، لأن البرلمان ليس قاعة لتبادل المجاملات، ولأن الحكومة التي لا تواجه أسئلة صعبة قد تجد نفسها أمام اختلالات لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.

لكن الاعتراف بهذا الحق لا يعني أن كل نقد يصبح وجيهاً لمجرد أنه صدر عن المعارضة، ولا أن ارتفاع نبرة الخطاب دليل على قوة الحجة، ولا أن كثرة الاتهامات تعني بالضرورة أن النقاش أدى وظيفته. فالمعيار الحقيقي ليس مقدار الغضب الذي يظهر في المداخلة، وإنما مقدار ما تكشفه من تناقضات، وما تقدمه من أدلة، وما تقترحه من بدائل، وما تضعه أمام الحكومة من أسئلة لا تستطيع الإجابة عنها بالشعارات العامة. وإذا كانت الحكومة قد وعدت بتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية محددة، فمن حق المعارضة أن تسأل عن شروط تحقيقها، ومصادر تمويلها، والجدول الزمني لتنفيذها، ومدى انسجامها مع الإمكانات المتاحة. وإذا وجدت أن البرنامج يتجاهل مشكلة أساسية، أو يكرر وعوداً لم تتحقق في مراحل سابقة، فمن واجبها أن تكشف ذلك منذ البداية، لا أن تنتظر حتى يتحمل المواطن كلفة التأخر أو الفشل. لكن هناك فرقاً بين كشف خلل موجود في البرنامج، وبين التعامل مع جميع الوعود كما لو أنها فشلت بالفعل؛ فرقاً بين التحذير من صعوبة التنفيذ، والقول ضمناً إن التنفيذ مستحيل قبل معرفة ما ستتخذه الحكومة من تدابير. فالبرنامج الحكومي ليس عصاً سحرية ستغيّر أوضاع البلاد بين ليلة وضحاها، وليس في المقابل نصاً مقدساً لا يجوز الاقتراب منه أو مساءلة أصحابه. إنه التزامات سياسية تحتاج إلى قرارات وتشريعات ومراسيم وميزانيات وإجراءات إدارية، وقد تحتاج بعض أوراشه إلى وقت أطول من غيرها، وقد تظهر أثناء التنفيذ عراقيل تستدعي التعديل والتصحيح.

وهذه حقائق لا تبرئ الحكومة مسبقاً، لكنها تفرض علينا أن نميّز بين ما يمكن تقييمه اليوم وما لا يمكن الحكم عليه إلا غداً. فكيف نحاسب الحكومة على عدم إصدار مرسوم لم يحن بعد موعده، أو على إجراء لم تستكمل شروطه القانونية، إذا لم نحدد أولاً الآجال التي التزمت بها؟ وفي المقابل، كيف نسمح لها بالاختباء وراء عبارة «نحتاج إلى الوقت» إذا أخفقت في الوفاء بالتزامات واضحة، أو لم تقدم أجوبة عن أسئلة جوهرية تتعلق بالتمويل والتنفيذ؟ هنا تحديداً تتجلى قيمة المعارضة الرصينة: أن تعرف ما الذي يجب أن تطالب به الآن، وما الذي ينبغي أن تراقبه لاحقاً، وأن تحول البرنامج الحكومي إلى التزامات قابلة للقياس والمقارنة والمحاسبة، حتى لا تتحول الممارسة البرلمانية إلى مباراة في تبادل الاتهامات، يخرج منها كل طرف راضياً عن خطابه، بينما يخرج المواطن من دون أن يعرف ما الذي تغير في حياته أو ما الذي يُفترض أن يتغير.

ولعل الإشكال الأعمق في حياتنا السياسية هو أننا اعتدنا أحياناً على اختزال المعارضة في قدرتها على إحراج الحكومة، واختزال الحكومة في قدرتها على الرد على خصومها، وكأن السياسة مجرد سجال بين طرفين، لا مسؤولية مشتركة أمام مجتمع ينتظر حلولاً لمشاكله. فالمعارضة ليست مطالبة بتوفير الراحة النفسية للحكومة، والحكومة ليست مطالبة بالحصول على شهادة رضا من خصومها، لكن كليهما مطالب بأن يضع المصلحة العامة فوق الرغبة في تسجيل النقاط. وإذا كانت الأغلبية تستند إلى برنامجها لتبرير قراراتها، فإن المعارضة مطالبة بأن تستند إلى حججها لتفسير رفضها، لا أن تجعل الرفض غاية في حد ذاته.

ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل، ونحن نتابع مداخلات الأزمي الإدريسي وريم شباط وغيرهما: ما مقدار المساحة التي احتلها تفكيك التدابير الواردة في البرنامج مقارنة بالاشتباك السياسي مع الحكومة؟ وأين انتهى نقد الوعود إلى تقديم بدائل عملية؟ وهل تمكن المواطن من الخروج من النقاش بفهم أوضح لما تقترحه المعارضة لحل المشكلات التي تنتقد الحكومة بشأنها؟ هذه أسئلة لا تستهدف أصحاب المداخلات بقدر ما تختبر جدوى الخطاب السياسي نفسه، وهي أسئلة ينبغي أن نطرحها بالمعيار ذاته على الوزراء ورئيسة الحكومة، لأن من يطالب الآخرين بالوضوح مطالب به أيضاً. أما الملفات القضائية التي تُستحضر في مثل هذه المناسبات، ومنها القضية المرتبطة بطنجة التي أشار إليها النقاش، فينبغي التعامل معها وفق قواعد واضحة: من حق المعارضة أن تثير أسئلة النزاهة والمساءلة السياسية، ومن حق الرأي العام أن يعرف ما تسمح به المعطيات الموثوقة، لكن لا يجوز تحويل التحقيق أو الاعتقال إلى إدانة نهائية، كما لا ينبغي الخلط تلقائياً بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الحزبية، أو استعمال ملف قضائي بديلاً عن مناقشة البرنامج الحكومي نفسه.

فلكل ملف سياقه ومساره، ولكل اتهام قواعده، ولا تستقيم دولة المؤسسات إذا أصبح الحكم السياسي بديلاً عن الحكم القضائي، أو إذا استُعملت القضايا المثارة في الفضاء العام لإغلاق النقاش بدل تعميقه. إن ما نحتاج إليه اليوم ليس معارضة أقل صوتاً، وإنما معارضة أكثر دقة؛ ليست معارضة تمنح الحكومة فرصة للإفلات من المحاسبة، وإنما معارضة تعرف كيف تجعل المحاسبة أكثر فعالية؛ ليست معارضة تنتظر الفشل كي تتحدث، ولا معارضة تعتبر كل وعد فشلاً قبل اختباره، وإنما معارضة تراقب المسار منذ بدايته، وتحدد المسؤوليات والآجال، وتعود إلى الأرقام والنتائج كلما اقتضى الأمر. ونحتاج في المقابل إلى حكومة تفهم أن حداثة عهدها بالمسؤولية لا تمنحها حصانة، وأن التصويت على برنامجها لا يعني أن المواطنين وقعوا لها شيكاً على بياض، وأن الوعود التي قدمتها ستصبح مع مرور الوقت التزامات يُقاس أداؤها على أساس ما تحقق منها وما تعثر وما لم يُنفذ. فالاستقرار الحكومي لا يتحقق بإسكات المعارضة، كما أن الديمقراطية لا تُقاس بحدة المواجهة وحدها؛ الاستقرار الحقيقي هو أن تعرف الحكومة أنها مراقبة، وأن تعرف المعارضة أن عليها تقديم الدليل والبديل، وأن يعرف المواطن أن البرلمان ليس مسرحاً تتبادل فوقه الأحزاب الأدوار، بل مؤسسة يفترض أن تتحول فيها الوعود إلى التزامات، والالتزامات إلى نتائج، والنتائج إلى حصيلة قابلة للمحاسبة. وفي النهاية، لست معنياً بالدفاع عن حكومة المنصوري، ولا بتبرير كل ما صدر عن المعارضة، بقدر ما يعنيني أن تكون السياسة أكثر من مجرد خصومة، وأن يكون النقد أكثر من مجرد صوت مرتفع، وأن تكون المسؤولية أكبر من الرغبة في الانتصار في جولة كلامية.

فمن حق المعارضة أن تبدأ المحاسبة منذ اليوم الأول، لكن ليس من حق أي طرف أن يخلط بين بداية المحاسبة ونهاية الحكم؛ فالحكومة تُختبر بما وعدت به وما ستفعله، والمعارضة تُختبر بما تكشفه وما تقترحه وما تتابعه، وبين الطرفين يبقى المواطن هو صاحب المصلحة في أن يسمع نقاشاً يضيء له الطريق، لا ضجيجاً يزيد المشهد التباساً. ذلك أن السياسة لا تحتاج إلى خصومة دائمة بقدر ما تحتاج إلى رقابة دائمة، ولا تحتاج إلى أحكام مستعجلة بقدر ما تحتاج إلى ذاكرة لا تنسى الوعود، وساعة لا تتوقف عن حساب الآجال، وميزان لا يميل إلى الحكومة لأنها حكومة، ولا إلى المعارضة لأنها معارضة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *