الدورة التنظيمية للمجتمع المغربي:  قراءة سوسيولوجية في أزمة الوسائط وبحث المجتمع عن أفق جديد

رصد المغرب / ذ. الحسين فخر الدين، عضو تيار اليسار الجديد المتجدد


تشهد المجتمعات الإنسانية تحولات دورية تمس أنماط تنظيمها السياسي والاجتماعي والمؤسساتي، حيث تمر بمراحل متعاقبة من البناء والاستقرار ثم التآكل وإعادة التشكل. وفي هذا السياق، يبرز المجتمع المغربي كنموذج جدير بالدراسة، بالنظر إلى التحولات العميقة التي عرفها خلال العقود الأخيرة، والتي تجاوزت الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لتطال طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع وآليات الوساطة والتأطير.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن المغرب يعيش مرحلة انتقالية ضمن دورة تنظيمية جديدة، تتجلى أساساً في تراجع فعالية الوسائط التقليدية، وصعود أشكال جديدة من التعبير والتنظيم المجتمعي، مما يطرح تحديات كبرى تتعلق بإعادة بناء الثقة وصياغة تعاقد اجتماعي أكثر ملاءمة للتحولات الراهنة.

أولاً: مفهوم الدورة التنظيمية للمجتمعات

تفترض نظريات الدورة التنظيمية أن المجتمعات لا تتطور وفق خط مستقيم، بل تمر بمراحل متعاقبة تبدأ بالتأسيس المؤسسي، ثم مرحلة الاستقرار والتوسع، لتدخل بعد ذلك مرحلة التآكل التدريجي للمؤسسات، قبل أن تنتقل إلى مرحلة إعادة التنظيم وبناء أشكال جديدة من الشرعية والتمثيل.

ويبدو أن التجربة المغربية تعكس هذا المسار بشكل واضح؛ فبعد مرحلة بناء الدولة الوطنية عقب الاستقلال، وما رافقها من تأسيس للمؤسسات الإدارية والسياسية والنقابية، عرف المغرب مرحلة من الاستقرار النسبي ساهمت في ترسيخ الدولة الحديثة. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللاحقة أفرزت تحديات جديدة لم تعد البنيات التقليدية قادرة على استيعابها بالكامل.

ثانياً: أزمة الوساطة السياسية والاجتماعية

شكلت الأحزاب السياسية والنقابات والحركة الوطنية تاريخياً قنوات أساسية للتأطير والتعبير عن المطالب الاجتماعية. غير أن هذه المؤسسات عرفت خلال العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في مستوى الثقة والمصداقية والقدرة التعبوية.

وتفسر نظريات أزمة التمثيل السياسي هذا التحول بوجود فجوة متزايدة بين المؤسسات الوسيطة والمجتمع، حيث لم تعد قطاعات واسعة من المواطنين ترى في هذه الهيئات معبراً حقيقياً عن تطلعاتها ومطالبها المرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.

وقد أدى هذا الوضع إلى بروز ما يمكن تسميته بأزمة الوساطة، حيث أصبحت المطالب الاجتماعية تُعبَّر عنها بشكل متزايد خارج الأطر التقليدية، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل التمثيلية السياسية والاجتماعية بالمغرب.

ثالثاً: صعود أشكال التنظيم الجديدة

في ظل تراجع فعالية الوسائط التقليدية، ظهرت خلال السنوات الأخيرة أشكال جديدة من التنظيم والتعبئة، تمثلت في التنسيقيات القطاعية والحركات الاحتجاجية الرقمية والمبادرات المدنية المحلية.

ويعكس هذا التحول تغيراً في طبيعة الفعل الجماعي، حيث أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي والفضاءات الرقمية أدوات رئيسية للتعبئة والتنسيق ونقل المطالب. كما يعبر عن تطور الوعي المجتمعي، خاصة لدى فئة الشباب، الذين باتوا أكثر ارتباطاً بقيم الشفافية والمحاسبة والكرامة والمشاركة المباشرة في الشأن العام.

ويشير هذا الواقع إلى انتقال تدريجي من أنماط التنظيم الهرمية التقليدية إلى أنماط أكثر مرونة وأفقية، وهي سمة أساسية للمجتمعات المعاصرة في ظل الثورة الرقمية.

رابعاً: فجوة الوعي والمؤسسات

من أبرز المؤشرات الدالة على التحول التنظيمي الراهن اتساع الفجوة بين تطور الوعي المجتمعي وقدرة المؤسسات على مواكبة هذا التطور.

فالتوسع في التعليم وانتشار التكنولوجيا والانفتاح على التجارب العالمية أسهم في رفع سقف انتظارات المواطنين، بينما ظلت بعض المؤسسات تعاني من بطء الإصلاح وضعف التجديد. وينتج عن هذه الوضعية تراجع الثقة في الفاعلين والمؤسسات، وظهور أشكال مختلفة من الاحتقان الصامت الذي قد يتحول إلى توترات اجتماعية وسياسية إذا لم تتم معالجته ضمن رؤية إصلاحية شاملة.

خامساً: نحو تعاقد اجتماعي جديد

تؤشر التحولات الحالية إلى حاجة ملحة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة تقوم على الثقة والمشاركة والعدالة.

ويتطلب ذلك إصلاحات عميقة تشمل تعزيز جودة المدرسة العمومية، وتوسيع العدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة اقتصاد الريع والفساد، وتجديد العمل الحزبي والنقابي بما يسمح باستعادة دوره التأطيري والتمثيلي.

كما يقتضي الأمر توسيع فضاءات المشاركة المواطنة وإشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في بلورة السياسات العمومية، بما يضمن انسجام المؤسسات مع التحولات التي يشهدها المجتمع.

تكشف قراءة الواقع المغربي من منظور الدورة التنظيمية للمجتمعات أن البلاد تعيش مرحلة انتقالية تتسم بتراجع فعالية بعض آليات التنظيم التقليدية وصعود أنماط جديدة من التعبير والمشاركة. ولا تكمن أهمية هذه المرحلة في كونها تعبر عن أزمة ظرفية، بل في كونها تمثل لحظة إعادة تشكل تاريخية للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن نجاح المغرب في عبور هذه المرحلة رهين بقدرته على تجديد مؤسساته ووسائطه الديمقراطية، وبناء تعاقد اجتماعي جديد يوفق بين متطلبات الاستقرار ومطالب الحرية والعدالة والكرامة. فالمجتمعات القادرة على تجديد نفسها هي وحدها القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص لبناء مستقبل أكثر توازناً واستدامة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *