حرب الكواليس تشتعل بين بن كيران الذي يفتح الملفات الثقيلة وأخنوش القابع تحت الضغط

رصد المغرب / عبد الصمد الشرادي


إن العبارة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي وعناوين الصحف “بن كيران خوى المزيودة” ليست مجرد عنوان عابر، بل هي قنبلة موقوتة انفجرت في كواليس صناعة القرار بالمغرب.

الصورة المتداولة التي يظهر فيها عبد الإله بن كيران بملامح حازمة، مقابل ملامح الخوف والدهشة على وجه عزيز أخنوش، تختصر المشهد بأكمله. فبن كيران لم يعد يرغب في أداء دور المعارض التقليدي، بل قرر فتح ملفات ثقيلة ظلت مخفية لسنوات منذ توليه رئاسة الحكومة، وها هو اليوم يخرج بها إلى العلن في توقيت يتزامن مع التحضير لتعديل حكومي حاسم.

وتعني عبارة “خوى المزيودة” شيئا واحدا، هو أن الأوراق التي كانت تعتبر خطوطا حمراء أصبحت الآن مطروحة على الطاولة، وأن اتصالات سرية تدور بين قيادات من حزب العدالة والتنمية وجهات نافذة. والخوف الظاهر في المشهد ليس وليد الصدفة، لأن الحديث هذه المرة لا يتعلق بارتفاع الأسعار أو المحروقات، بل بصفقات وتحالفات أُبرمت في الخفاء، وكلفت ميزانيات ضخمة كانت مخصصة لمشاريع ملكية كبرى.

اختار بن كيران هذا التوقيت بالذات لقلب الطاولة. فالرسائل المشفرة التي بعث بها خلال آخر اجتماع مغلق للأمانة العامة لحزبه جعلت الهواتف لا تتوقف عن الرنين بين الرباط والدار البيضاء. فهل يتعلق هذا التحرك بصراع حزبي تقليدي فقط، أم أن اللعبة وصلت إلى مستويات أعمق بكثير مما يتخيله الكثيرون؟

تبدأ القصة الحقيقية من اجتماع سري عقد سنة 2021 مباشرة بعد الانتخابات، داخل إحدى الفيلات بحي الرياض في الرباط. وهناك، بحسب ما يتداول، وضعت أسس اللعبة، حيث يتولى أخنوش تسيير الحكومة، بينما يلتزم بن كيران الصمت مقابل عدم فتح ملفات الدعم وصناديق التقاعد التي تعود إلى فترة رئاسته للحكومة.

غير أن التطورات اللاحقة أنهت هذا التفاهم نهائيا، خاصة بعد ورود تقارير مالية تؤكد وجود تسريبات تربط صفقات تحلية المياه الأخيرة بعائلات نافذة مقربة من رئيس الحكومة الحالي. عندها التقط بن كيران الخيط، وبدلا من عقد ندوة صحفية، بعث رسالة مشفرة عبر وسيط سياسي، مهددا بنشر وثائق أصلية تتعلق بصندوق المقاصة، تظهر – بحسب ما يروج – كيف تمكنت شركات كبرى من التملص من التزاماتها الضريبية خلال فترة الجائحة.

هذه الخطوة جمدت المفاوضات الخاصة بالتعديل الحكومي وأدخلت دوائر القرار في حالة استنفار. وأصبح أخنوش مضطرا إلى إعادة حساباته، لأن الوثائق التي يقال إن بن كيران يتوفر عليها لا تتضمن أرقاما فقط، بل تشمل توقيعات ومحاضر رسمية قد تحرج شخصيات بارزة ومسؤولين في قطاعات حساسة.

وأصبحت المعركة الآن تدور حول من سيوجه الضربة الأولى قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة. لكن هل هذه التسريبات هي كل ما في الملف، أم أن هناك ملفات أخرى يجري إعدادها بعيدا عن الأضواء؟

هناك حديث عن ملف أكثر حساسية يتعلق بكيفية تحول الصراعات الشخصية إلى حرب كواليس تهدد استقرار التحالف الحكومي من الداخل. كما يقال إن تيارا داخل حزب الأصالة والمعاصرة استغل الضجة التي أثارها بن كيران، وبدأ مشاورات غير معلنة مع قيادات من حزب العدالة والتنمية لوضع سيناريو بديل في حال تعثر الحكومة الحالية.

وتشير بعض المعطيات المتداولة في أروقة البرلمان إلى أن بن كيران يحظى بدعم غير متوقع من شخصيات مؤثرة داخل الأغلبية نفسها، حيث زودته هذه الأطراف بتفاصيل دقيقة حول الخلافات التي تعصف بحزب الأصالة والمعاصرة بعد القضايا الأخيرة التي هزته.

هذا التنسيق غير المعلن جعل رئيس الحكومة يشعر بأن الخطر يأتي من محيطه القريب، وحول مقر الحكومة إلى خلية أزمة تعمل على مدار الساعة. والهدف المعلن لهذا التحالف السري هو محاصرة أخنوش سياسيا واقتصاديا ودفعه إلى تقديم تنازلات مهمة في أي تعديل حكومي مرتقب، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستثمار والتشغيل والميزانيات الكبرى.

وقد اختار بن كيران توقيت هجومه بعناية، مستغلا الضغوط الشعبية والدولية التي تواجهها الحكومة بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. غير أن هذا التنسيق بين خصوم الأمس لم ينشأ من فراغ، بل تشير بعض الروايات إلى وجود طرف ثالث يحرك الخيوط من وراء الستار. فمن هو هذا الطرف الخفي؟ ومن المستفيد من الحد من نفوذ رجال الأعمال داخل القرار السياسي المغربي؟

عندما أدركت الحكومة أن هجوم بن كيران يشبه موجة تسونامي سياسية، تم إعداد خطة إعلامية مضادة داخل مكتب استشاري بالدار البيضاء، تقوم على تذكير المغاربة بالقرارات المثيرة للجدل التي اتخذها بن كيران خلال فترة رئاسته للحكومة.

لكن، وفق ما يتداول، جاءت النتائج عكسية. فقد كان بن كيران يتوقع هذا الرد، ورد عليه بمعطيات جديدة تتعلق باتفاقيات تجارية ثنائية ساعدت شركات معينة على السيطرة على سوق التصدير الفلاحي خلال السنوات العشر الأخيرة.

هذه الضربات المتتالية أربكت مستشاري رئيس الحكومة، وأعادت إلى الواجهة كل الأحاديث التي كانت تدور في الصالونات السياسية بالعاصمة. وبدأت مؤشرات التعطيل تظهر داخل المؤسسة التشريعية، حيث تعثرت بعض المبادرات الحكومية داخل اللجان البرلمانية بسبب حالة الترقب وعدم وضوح المشهد.

وينظر إلى هذا الارتباك باعتباره مؤشرا على أن ما كشفه بن كيران حتى الآن ليس سوى جزء من الصورة، وأن ما يخفيه قد يمس ملفات أكثر حساسية تتعلق بالتوازنات المالية الخارجية للمغرب.

وتتحدث بعض التسريبات عن تقرير مرتقب من مؤسسة دستورية كبرى قد يغير الكثير من المعادلات. فهل لهذا التقرير علاقة مباشرة بالملفات التي يلوح بها بن كيران؟

وتزداد الصورة تعقيدا عندما تتقاطع المصالح السياسية مع صراعات الفاعلين الاقتصاديين الكبار. فالمعلومات المتداولة تشير إلى نقاشات حول تعديلات جوهرية في القوانين المرتبطة بمراقبة تحويل الأموال والرقابة على الحسابات البنكية الخاصة بالشخصيات السياسية.

ويقال إن بن كيران اطلع عبر قنواته الخاصة على مسودات تقارير تتعلق بديون شركات تهيمن على قطاعات استراتيجية، وهو ما يمنحه أوراق ضغط إضافية في خطابه السياسي.

كما تتحدث هذه الوثائق – وفق الروايات المتداولة – عن اختلالات هيكلية في تسعير بعض المواد الأساسية المستوردة، وعن تحويل أرباح إلى الخارج عبر شركات أوفشور. وبغض النظر عن صحة هذه الادعاءات من عدمها، فإنها تحولت إلى أدوات ضغط سياسي قوية.

أما مصدر القلق الأكبر لدى أطراف في الأغلبية الحكومية، فهو احتمال وصول هذه الملفات إلى وسائل الإعلام الدولية، بما قد يؤثر على صورة المغرب الاقتصادية في مرحلة يستعد فيها لاستضافة تظاهرات ومواعيد دولية كبرى.

لهذا السبب تتزايد الضغوط من أجل التوصل إلى تسوية سياسية تضمن خروجا آمنا لجميع الأطراف دون فضائح. غير أن بن كيران، وفق ما يتداول، لا يزال يرفض كل العروض المطروحة حتى الآن، ويصر على مواصلة المواجهة. ويبقى السؤال، هو لماذا هذا الإصرار؟ وما الثمن السياسي الحقيقي الذي يسعى إليه مقابل الصمت؟

جميع المؤشرات توحي بأن هذه المواجهة قد تعيد رسم الخريطة السياسية المغربية لسنوات مقبلة. وبينما تتركز الأنظار على التعديل الحكومي المنتظر وكيفية تعامل أخنوش مع هذه الأزمة، تتحدث الكواليس عن مفاجآت أكبر قد تظهر قريبا.

ويرى بعض المتابعين أن خروج بن كيران بهذا الزخم السياسي قد يكون مؤشرا على بداية مرحلة جديدة تستهدف شخصيات برزت بقوة منذ انتخابات 2021 وحققت مكاسب كبيرة في فترة زمنية قصيرة.

كما تشير بعض الأحاديث إلى تحركات لشخصية تكنوقراطية بارزة تعمل بعيدا عن الأضواء من أجل استعادة زمام المبادرة ووضع حد لصراع تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء.

وفي آخر لقاء جمع بن كيران بمقربين منه، يقال إنه اكتفى بعبارة واحدة، وهي “الفيلم ما زال في بدايته، ومن أنقذ نفسه الآن فقد ربح، أما الباقون فسينتهي بهم الأمر أمام المحاكم.”

وهي عبارة تحمل الكثير من الدلالات، وتوحي بوجود ملفات أكبر بكثير مما تم تداوله حتى الآن، خاصة تلك المرتبطة بصفقات الطاقة المتجددة والبنية التحتية المستقبلية للمغرب، والتي قد تشكل محور التحركات السياسية المقبلة، إذا ما ظهرت تفاصيلها إلى العلن.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *