رصد المغرب / فكري ولد علي
هناك من يعتقد أن المسؤولية امتياز مفتوح، وأن الكرسي سلطة لا تنتهي، وأن الأبواب التي تفتح اليوم ستظل مشرعة إلى الأبد. غير أن الزمن يحمل منطقه الخاص، ويجيد تذكير الجميع بحقيقة لا تتغير: المناصب عابرة، أما الأثر فيبقى.
حين كان المسؤول على رأس منصبه، كانت الهواتف لا تهدأ، والوجوه تبتسم في حضوره، والدعوات تتوالى من كل اتجاه. كان يختار من يتحدث إليه، ومن يستقبله، ومن يؤجل لقاءه إلى وقت آخر. كانت الحياة تبدو أكثر اتساعا، وأكثر رفاهية، حتى تفاصيلها الصغيرة كانت مختلفة؛ سيارة فاخرة، امتيازات متعددة، وواقع يجعل الإنسان يعتقد أحيانا أن العالم صمم خصيصا له.
كان يرى طوابير المواطنين من خلف زجاج المكاتب، يقرأ على الوجوه تعابير الانتظار والتعب، بينما يستمر الروتين اليومي داخل دائرة النفوذ والامتياز. الوقت لم يكن يمثل أهمية كبيرة، فالمواعيد قابلة للتأجيل، والالتزامات قابلة للتعديل، والأيام تمضي وفق إيقاع خاص لا يشبه إيقاع الآخرين.
لكن الحياة لا تستأذن أحدا عندما تقلب صفحاتها. ففي لحظة واحدة، ينتهي كل شيء؛ تنقضي المدة، ويغادر المسؤول كرسيه، ليجد نفسه أمام واقع مختلف تماما. تختفي المكالمات، تخفت الأصوات، وتتراجع الوجوه التي كانت بالأمس القريب لا تغادر محيطه.
هناك فقط تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل كانت المحبة للشخص أم للمنصب؟ هل كانت العلاقات إنسانية أم مصلحية؟ وهل كان النفوذ وسيلة لخدمة الناس أم مجرد محطة مؤقتة للاستفادة من امتيازات السلطة؟
إن المناصب ليست ملكية دائمة، والكراسي لا تعترف بالخلود. ومن الحكمة أن يدرك كل مسؤول أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يجلس عليه، بل بما يتركه خلفه من أثر طيب وسيرة حسنة.
ويبقى المثل الشعبي أصدق تعبير عن هذه الحقيقة: “لو دامت لغيرك، ما وصلت إليك.”
شارك المقال






















Leave a Reply