رصد المغرب / عبدالله السعدي
أعادت الأحكام الصادرة عن المحكمة التونسية المختصة بقضايا الإرهاب ملف “الجهاز السري لحركة النهضة” إلى صدارة المشهد السياسي والقضائي، بعدما قضت بسجن زعيم الحركة راشد الغنوشي لمدة 30 عاما، في واحدة من أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام التونسي منذ سنوات.
ويأتي هذا الحكم في سياق سلسلة من التحقيقات التي باشرتها السلطات القضائية بشأن اتهامات تتعلق بتكوين وفاق إرهابي والانضمام إلى تنظيمات ذات صلة بجرائم إرهابية، إضافة إلى تسخير الخبرات والإمكانات لفائدة عناصر مرتبطة بتلك الجرائم، وفق ما ورد في ملف القضية المعروض أمام المحكمة.
يعد ملف “الجهاز السري” من أكثر القضايا السياسية والأمنية إثارة للجدل في تونس، إذ ارتبط منذ ظهوره باتهامات وجهتها أطراف سياسية ومنظمات مدنية إلى حركة النهضة بامتلاك هيكل تنظيمي مواز يعمل خارج الأطر القانونية الرسمية. وقد تحول الملف إلى محور نقاش واسع بين مختلف الفاعلين السياسيين، خاصة مع ارتباطه بملفات أمنية حساسة شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
في المقابل، ظلت حركة النهضة تنفي بشكل قاطع وجود أي جهاز سري تابع لها، مؤكدة أن الاتهامات الموجهة إليها تفتقر إلى الأدلة الكافية، وأن عددا من القضايا المرفوعة ضد قياداتها تأتي في إطار استهداف سياسي للحركة ورموزها.
ويرى متابعون للشأن التونسي أن الحكم الصادر بحق الغنوشي لا يقتصر تأثيره على الجانب القضائي فقط، بل يمتد إلى المجال السياسي، بالنظر إلى المكانة التي يشغلها الرجل في تاريخ تونس المعاصر. فقد لعب الغنوشي دورا بارزا في الحياة السياسية منذ عقود، وتحول بعد ثورة 2011 إلى أحد أبرز الوجوه السياسية في البلاد، سواء من خلال قيادته لحركة النهضة أو عبر توليه رئاسة البرلمان في مرحلة لاحقة.
ويأتي هذا التطور في ظل تحولات عميقة تشهدها تونس منذ الإجراءات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، والتي أعادت رسم موازين القوى بين مختلف الأطراف السياسية، وأثارت نقاشا مستمرا حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومستقبل التجربة الديمقراطية في البلاد.
من المتوقع أن يترك الحكم تداعيات مباشرة على مستقبل حركة النهضة، التي تواجه منذ سنوات تحديات سياسية وتنظيمية متزايدة. كما قد يؤثر على إعادة تشكيل المشهد الحزبي التونسي، خصوصا مع استمرار الملاحقات القضائية التي تشمل عددا من الشخصيات السياسية البارزة.
ويرى محللون أن القضية قد تعمق حالة الاستقطاب بين القوى السياسية، إذ يعتبرها البعض خطوة في إطار مكافحة الإرهاب وترسيخ مبدأ المحاسبة، بينما يراها آخرون جزءا من صراع سياسي أوسع تشهده البلاد.
ورغم صدور الحكم الابتدائي، فإن الإجراءات القضائية لم تصل إلى نهايتها بعد، حيث يتيح القانون التونسي للمتهمين وهيئات الدفاع سلوك مسارات الطعن والاستئناف وفق الضمانات القانونية المعمول بها. ومن المنتظر أن تستمر المتابعة القضائية لهذا الملف خلال الفترة المقبلة، بالنظر إلى تعقيداته القانونية والسياسية.
يبقى الحكم الصادر بحق راشد الغنوشي محطة مفصلية في مسار أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تونس. وبين التأكيد على استقلالية القضاء وضرورة مكافحة الإرهاب من جهة، والحديث عن الخلفيات السياسية للمحاكمات من جهة أخرى، يظل ملف “الجهاز السري” عنوانا رئيسيا للنقاش العام، في انتظار ما ستسفر عنه المراحل القضائية المقبلة وانعكاساتها على مستقبل الحياة السياسية التونسية.
شارك المقال























Leave a Reply