رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي
يثير غياب اللباس التقليدي عن الوفد الجزائري في التظاهرة الإفريقية المقامة بالمغرب أكثر من مجرد تساؤل شكلي، فهو يعيد إلى الواجهة إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الخطاب بالممارسة، وبكيفية توظيف الهوية حينا وتحييدها حينا آخر.
فلسنوات قدم اللباس التقليدي في الخطاب الرسمي والإعلامي الجزائري كرمز للسيادة والخصوصية الثقافية، وكجدار صد أمام ما يصور على أنه محاولات طمس أو سطو ثقافي. غير أن هذا الإصرار الخطابي يفقد جزءا كبيرا من مصداقيته عندما تغيب هذه الرمزية في محافل إقليمية ودولية، خصوصا تلك التي تقام في فضاء تنافسي رمزي مثل الفضاء المغاربي أو الإفريقي، مما يشير إلى التزييف الهوياتي والثقافي المزعوم.
قد يقال إن البروتوكول يفرض البدلة، وإن الحدث ليس ثقافيا، وإن الجزائر لا تملك زيا تقليديا موحدا. وهي حجج صحيحة جزئيا، لكنها لا تصمد تماما أمام واقع أن دولا أخرى، متعددة الأعراق والثقافات، تنجح في تقديم رموزها التقليدية بذكاء دون الوقوع في فخ الفولكلرة أو الإقصاء، لأن المسألة هنا ليست إلزاما باللباس التقليدي، بل اختيار واع للرمز حين يكون الرمز في حد ذاته جزءا من المعركة الناعمة، ولكن حين يغيب فذلك يعني شيئا واحدا، وهو عدم وجود ما يدعوه من ثرات قديم، أو بالأحرى ما يريدون السطو عليه لولى نباهة الآلة الدبلوماسية المغربية.
والأكثر إرباكا أن هذا الغياب يحدث في سياق حساس، حيث تدار معارك الهوية والرمزية بهدوء ودهاء، حيث في مثل هذه السياقات، لا يكون اللباس مجرد قماش، بل رسالة، لأنه حين تختار دولة ما الحياد الشكلي، فإنها تترك فراغا رمزيا، بل مزعوما في حين يظهر به الآخرون بسهولة، لأنه جزءا من ثقافتهم وثراتهم، وليس كمن يدعون ذلك.
المشكلة إذن ليست في عدم ارتداء القشابية أو البرنوس أو الكاراكو، بل في عدم الاتساق بين ما يقال في الداخل وما يمارس في الخارج، و بين خطاب تعبوي يطالب المواطن بالاعتزاز بهويته التي لا يملك تاريخها، وممارسة دبلوماسية تتعامل مع هذه الهوية كعبء أو تفصيل ثانوي مع محاولة الاستيلاء على تاريخه الذي هو أقدم من عمر دولتهم.
والأنكى من ذلك أن تستضيفهم داخل بيتك أكرم استضافة، كرم المضيف النبيل مع ضيفه، بينما يسعون هم إلى النيل من ثوابت بيتك وتفريغ رمزيته من معناها. وكأن الإكرام لديهم يقابل بالجحود، مصداقا للمقولة “إن أكرمت اللئيم تمردا” ، بل تصرفاتهم هذه لا تدل إلا على عجزهم عن الإفاقة من وهم عميق، بل يصرون على المضي في انتحار رمزي مقابل ادعاءات كاذبة، يروجونها داخل بلادهم، ويحجبون الحقيقة عمدا، حتى يقنعوا شعبهم بما يقررونه، لا بما هو قائم فعلا.
إن النقد هنا لا يستهدف أشخاصا بقدر ما يسلط الضوء على ضرورة إعادة التفكير في كيفية إدارة الرموز الوطنية، لأن الهوية لا تستدعى فقط في لحظات الدفاع، بل تجسد أيضا في لحظات الحضور، حيث من دون هذا الاتساق، يتحول الخطاب إلى شعارات، وتبقى الرمزية حبيسة المخيلات التي تعيش الاوهام، في وقت تدار فيه السياسة الحديثة بلغة الصورة والواقع قبل البيان.
شارك المقال























Leave a Reply