تحولات اليسار المغربي من الراديكالية إلى المخزنة واستشراف آفاق المستقبل

رصد المغرب / عبدالفتاح الحيداوي


مقدمة

يعتبر اليسار المغربي أحد الركائز التاريخية التي ساهمت في تشكيل الوعي السياسي والمدني بالمغرب الحديث. فمنذ الاستقلال، مثلت القوى اليسارية صمام أمان للمطالب الديمقراطية والاجتماعية. إلا أن المتابع للمشهد السياسي يلاحظ مفارقة صارخة: فبينما كانت شعارات اليسار تهز الشارع وتؤرق السلطة في)سنوات الرصاص(، أصبحت اليوم جزءا من )الاستقرار المؤسسي( الذي يديره المخزن. تهدف هذه الورقة إلى الإجابة على التساؤل الجوهري: كيف تحول اليسار من قوة تغيير راديكالية إلى فاعل )مخزني(؟ وما هي الفرص المتبقية لإعادة إحياء المشروع اليساري؟

أولا: الجذور التاريخية والزمن الراديكالي (1960-1980).

تميزت هذه المرحلة بالصراع الوجودي والصدام المباشر بين السلطة المركزية (المخزن) وبين القوى المعارضة ذات التوجه اليساري، حيث تشكلت هوية اليسار المغربي في أتون معارك التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال.

عقب الانشقاق التاريخي داخل حزب الاستقلال وبروز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1959، بدأت تتشكل ملامح معارضة يسارية جذرية. ومع حلول السبعينيات، ولدت )الحركة إلى الأمام( و)منظمة 23 مارس( و)لنخدم الشعب(، وهي حركات ماركسية لينينية تبنت أطروحات ثورية تتجاوز الإصلاحية السياسية إلى التغيير الجذري لبنية الحكم. كان الخطاب السائد حينها يركز على مفاهيم )حرب التحرير الشعبية(، )الجمهورية(، و)الاشتراكية العلمية(، مما وضع هذه الحركات في مواجهة مباشرة مع النظام الملكي.

عاش اليسار المغربي في هذه الفترة ما يعرف بـ سنوات الرصاص، وهي حقبة اتسمت بالقمع المنهجي، الاختطافات، والاعتقالات السياسية الواسعة (معتقلات تزمامارت، قلعة مكونة، ودرب مولاي الشريف). هذه المعاناة الإنسانية لم تضعف اليسار فحسب، بل منحت مناضليهرأسمالا رمزيا هائلا وقوة أخلاقية جعلت من الانتماء لليسار مرادفا للتضحية والنزاهة والارتباط بقضايا الشعب.

وكان لليسار حضور طاغٍ في الفضاءات العمومية، لاسيما الجامعة المغربية من خلال (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) (UNEM)، الذي كان يعد مشتلا لتفريخ الكوادر اليسارية. كما شكلت النقابات العمالية (الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل) أذرعا ميدانية قادرة على شل الحركة الاقتصادية والضغط على السلطة لتحقيق مكاسب اجتماعية وديمقراطية.

ثانيا: منعطف التناوب التوافقي (1998) وبداية الاندماج المؤسسي

مع بداية التسعينيات، وفي ظل تحولات دولية (سقوط جدار برلين) وضغوط داخلية (أزمة اقتصادية ومرض الملك الراحل الحسن الثاني)، دخل المغرب مرحلة الانفراج السياسي. توجت هذه المرحلة بتجربة التناوب التوافقي عام 1998، حيث عين المعارض التاريخي عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أول.

مثلت هذه اللحظة انتقالا إستراتيجيا لليسار من موقع النقد الجذري للنظام إلى موقع المشاركة في تدبير الشأن العام. ورغم أن التجربة حققت مكاسب على مستوى الحريات العامة وحقوق الإنسان (تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة)، إلا أنها فرضت على اليسار تقديم تنازلات إيديولوجية كبرى، حيث تم القبول بالسقف الدستوري القائم الذي يمنح الملكية صلاحيات واسعة في المجالات الإستراتيجية.

أدى الانخراط في العمل الحكومي إلى وضع اليسار في مواجهة مباشرة مع انتظارات الشارع المغربي. وبسبب محدودية الهامش المتاح للوزراء اليساريين في ظل “حكومة الائتلاف” وتدخل الوزراء التكنوقراط (وزراء السيادة)، بدأ المواطن يرى في اليسار جزءا من الجهاز التنفيذي المسؤول عن غلاء المعيشة والبطالة والفوارق الطبقية، مما أفقد اليسار جاذبيته كبديل ثوري أو إصلاحي قوي.

شهدت هذه المرحلة تراجع التنسيق التاريخي بين الأحزاب المكونة للكتلة الديمقراطية (الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال، التقدم والاشتراكية). وبدلا من جبهة موحدة لمواجهة تغول السلطة، انخرطت هذه الأحزاب في صراعات داخلية حول الحقائب الوزارية والتمثيلية البرلمانية، مما أضعف جبهة المعارضة التاريخية وفتح الباب أمام هيمنة الأحزاب الإدارية المقربة من السلطة.

ثالثا: المخزنة كآلية للاحتواء والتدجين السياسي

يستخدم مصطلح المخزنة في الأدبيات السياسية المغربية لوصف عملية استيعاب القوى المعارضة داخل بنية السلطة التقليدية، بحيث تفقد هذه القوى استقلاليتها وتتحول إلى أدوات لتثبيت الوضع القائم بدلا من تغييره.

نجحت السلطة في استقطاب ألمع العقول والكوادر اليسارية لشغل مناصب سامية في الدولة (مستشارين ملكيين، مدراء مؤسسات عمومية، سفراء). هذا الاستقطاب، رغم أنه قد يفسر كرغبة في الاستفادة من الكفاءات، إلا أنه أدى فعليا إلى إفراغ الأحزاب اليسارية من قياداتها التاريخية القادرة على التأطير والتنظير، وتحويلهم إلى تكنوقراط يتبنون لغة الدولة ومنطقها الإداري الصرف.

تحول العمل الحزبي اليساري في كثير من الأحيان إلى بحث عن التموقع داخل المؤسسات (البرلمان، الجماعات الترابية، المجالس الدستورية). وأصبح الحفاظ على المقعد أو المنصب غاية في حد ذاته، مما جعل القرار الحزبي اليساري رهينا بمدى رضا السلطة، خشية فقدان الامتيازات أو التعرض للتهميش السياسي. هذا النوع من (الريع السياسي) خلق فجوة عميقة بين القيادات المنعمة في رغد العيش وبين القواعد المناضلة التي لا تزال تعاني من التهميش.

حدث تحول جذري في معجم اليسار المغربي؛ فبعد أن كانت مفاهيم مثل (الصراع الطبقي)، (توزيع الثروة)، و(الملكية البرلمانية) تشكل عماد الخطاب، حلت محلها مفاهيم جديدة مثل الاستقرار الماكرو-اقتصادي، المقاربة التشاركية، والتوافق الوطني. هذا التماهي مع لغة الدولة جعل المواطن العادي يجد صعوبة في التمييز بين برنامج حزب يساري وبين توجهات الإدارة المركزية، مما أدى إلى فقدان الهوية السياسية المتميزة لليسار.

رابعا: تشخيص الأزمة البنيوية: التفكك التنظيمي وتآكل القواعد

لا يمكن اختزال أزمة اليسار في عامل (المخزنة) الخارجي فقط، بل هناك أعطاب ذاتية بنيوية نخرت جسد اليسار من الداخل وجعلته عاجزاً عن مواكبة التحولات المجتمعية.

يعرف تاريخ اليسار المغربي بأنه تاريخ الانشقاقات فكلما برز خلاف فكري أو تنظيمي، انتهى الأمر بتأسيس حزب جديد، مما أدى إلى تشتيت الكتلة الناخبة وإضعاف القوة التعبوية. يضاف إلى ذلك شيخوخة النخب القيادية التي ترفض التخلي عن كراسي المسؤولية، مما خلق قطيعة جيلية مع الشباب الذين أصبحوا يجدون في الفضاء الرقمي والحركات العفوية ملاذا أرحب من الأحزاب التقليدية.

تاريخيا استند اليسار إلى الطبقة العاملة والطبقة الوسطى المتعلمة (الموظفين، المعلمين، الطلبة). ومع تحول بنية الاقتصاد المغربي نحو (النيوليبرالية) وتوسع القطاع غير المهيكل، تآكلت هذه القواعد. كما أن تراجع دور المدرسة والجامعة كفضاءات للتسييس أدى إلى تجفيف منابع الاستقطاب اليساري، مما جعل الأحزاب اليسارية تعيش في جزر معزولة بعيدة عن هموم الفئات الهشة.

تعكس الأرقام الانتخابية خلال العقد الأخير بوضوح مسار التراجع النسبي أو الجمود الذي يطبع أداء قوى اليسار في المغرب، حيث لم يعد هذا التيار قادرا على التنافس على صدارة المشهد السياسي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى فاعل ثانوي يكتفي بأدوار المساندة داخل التحالفات الحكومية أو المعارضة الهادئة التي تفتقد للقدرة على التأثير الحاسم. فنتائج الانتخابات التشريعية بين 2011 و2021 تكشف تحولات دالة إذ انتقل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 39 مقعدا سنة 2011 إلى 20 مقعدا سنة 2016، قبل أن يستعيد جزءا من حضوره بـ35 مقعدا سنة 2021، وهي استعادة لا تعكس بالضرورة عودة إشعاعه الإيديولوجي بقدر ما ترتبط بآليات انتخابية محلية وشبكات الأعيان. أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد عرف تراجعا من 18 إلى 12 مقعدا بين 2011 و2016، قبل أن يعود إلى 22 مقعدا سنة 2021، مستفيدا من تموقعه المرن وخطابه المعارض الذي مكنه من الحفاظ على قاعدة انتخابية محلية متماسكة نسبيا. في المقابل، ظل اليسار الراديكالي، ممثلا أساسا في تحالفات مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي، عاجزا عن تجاوز سقف رمزي لا يتعدى مقعدين طيلة هذه الفترة، وهو ما يعكس محدودية قدرته على اختراق الكتلة الناخبة الواسعة واستمراره في دائرة نخبوية ضيقة.

هذه المعطيات لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الأرقام، بل ينبغي فهمها ضمن سياق سوسيوسياسي أوسع، يتسم بتحولات عميقة في بنية السلوك الانتخابي وفي طبيعة الوساطة الحزبية. فقد تراجع الطلب الاجتماعي على الخطابات الإيديولوجية الكلاسيكية، بما فيها خطاب اليسار، لصالح اعتبارات براغماتية ترتبط بالخدمات والقرب من المواطنين والقدرة على تعبئة الموارد المحلية. كما أن صعود الفاعلين ذوي الخلفيات التقنية أو الاقتصادية، إضافة إلى تنامي دور الأعيان، ساهم في إضعاف الأحزاب ذات المرجعية الفكرية الواضحة. في هذا السياق، لم يتمكن اليسار من تجديد خطابه ولا من إعادة بناء قاعدته الاجتماعية التقليدية التي تاكلت بفعل تحولات سوق الشغل وتراجع التنظيمات النقابية وتفكك الفئات الوسطى التي كانت تشكل عموده الفقري.

كما أن مشاركة بعض مكونات اليسار في الحكومة لفترات طويلة أضعفت صورتها كقوة احتجاجية، وأفقدتها جزءا من رصيدها الرمزي المرتبط بالدفاع عن الفئات الشعبية، خاصة عندما لم تستطع تحقيق وعود ملموسة على المستوى الاجتماعي. في المقابل، لم ينجح اليسار الراديكالي في تقديم بديل مقنع، إذ ظل أسير خطاب نخبوي ولغة سياسية لا تجد صدى واسعا لدى الناخبين، فضلا عن ضعف إمكانياته التنظيمية والمالية.

بناء على ذلك، يمكن القول إن أزمة اليسار في المغرب، كما تعكسها الأرقام الانتخابية، ليست مجرد تراجع ظرفي، بل هي تعبير عن أزمة بنيوية مزدوجة: أزمة عرض سياسي غير قادر على التجديد والتأقلم، وأزمة طلب اجتماعي لم يعد يجد في اليسار التعبير الأنسب عن تطلعاته. وهو ما يطرح تحديا حقيقيا أمام هذا التيار، إما بإعادة بناء نفسه فكريا وتنظيميا وربط السياسة بالمجتمع من جديد، أو الاستمرار في موقع هامشي داخل مشهد سياسي يتغير بسرعة.

خامسا: اليسار والحركات الاحتجاجية الجديدة

يشكل مسار اليسار المغربي خلال العقد الأخير مراة عاكسة لتحولات عميقة في بنية الفعل الاحتجاجي وأنماط الوساطة السياسية داخل المجتمع. فمنذ لحظة حركة 20 فبراير، لم يعد بالإمكان الحديث عن استمرار الأدوار التقليدية التي اضطلعت بها الأحزاب، وخاصة اليسارية منها، في تأطير الشارع وقيادة الديناميات الاحتجاجية. فقد مثلت تلك اللحظة إعلانا فعليا عن انتقال مركز الثقل من التنظيمات الحزبية المغلقة إلى فضاءات مفتوحة، يتقاطع فيها الميداني بالرقمي، وتتراجع فيها سلطة (البيان) لصالح (المنشور) و(البث المباشر). في هذا السياق، برزت ما يمكن تسميته بأزمة الوساطة التاريخية، حيث فقدت الهياكل الحزبية قدرتها على لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وأصبحت عاجزة عن استيعاب أشكال الغضب الجديدة أو توجيهها.

هذا التحول لم يكن معزولا عن اختيارات اليسار المؤسسي، الذي وجد نفسه أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على موقعه داخل مؤسسات الدولة وبين الاستمرار كقوة احتجاجية. وقد اختارت مكونات أساسية مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية نهج مقاربة تقوم على الإصلاح من الداخل، وهو ما أدى تدريجيا إلى تاكل رصيدها النضالي وفقدانها لثقة فئات واسعة من الشباب. هذا الخيار عمق أيضا الفجوة بين القيادات الحزبية وقواعدها، حيث لم تعد اللغة السياسية التقليدية قادرة على استيعاب تحولات جيل جديد يتبنى أشكالا أكثر سيولة ومرونة في الاحتجاج. وهكذا، لم يعد الانتماء الحزبي شرطا للمشاركة السياسية، بل أصبح ينظر إليه أحيانا كقيد يحد من الفعالية.

في المقابل، ساهمت التحولات السوسيواقتصادية المرتبطة بتبني سياسات ذات طابع نيوليبرالي في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للاحتجاج. فقد أدى تفكيك بعض اليات الحماية الاجتماعية إلى بروز فئات جديدة من الهشاشة، لم تعد تجد في النقابات أو الأحزاب إطارا قادرا على الدفاع عن مصالحها. في هذا السياق، تراجعت الثقة في المؤسسات الوسيطة، وأصبح ينظر إليها كجزء من المنظومة القائمة أكثر من كونها أداة لتغييرها. ومن هنا برزت القطاعية كاستراتيجية احتجاجية فعالة، حيث تركز الحركات الجديدة على مطالب ملموسة ومحددة، بدل الانخراط في مشاريع مجتمعية شاملة كما كان يفعل اليسار التقليدي.

وقد تجسد هذا التحول بوضوح في صعود (التنسيقيات) كفاعل مركزي في المشهد الاحتجاجي، خاصة خلال حراك التعليم (2023-2024)، حيث استطاعت هذه التنظيمات الأفقية أن تفرض نفسها كبديل فعلي للنقابات التقليدية. فهي لا تقوم على بنية هرمية، بل تعتمد على التنظيم القاعدي واتخاذ القرار بشكل جماعي، كما أنها تحافظ على استقلالها عن الأحزاب، مما يمنحها مصداقية أكبر لدى المحتجين. والأهم من ذلك أنها تتبنى خطابا مباشرا وراديكاليا، يرفض التسويات الجزئية ويتمسك بتحقيق المطالب كاملة، وهو ما مكنها من الاستمرار في الاحتجاج حتى بعد توقيع اتفاقات رسمية مع النقابات.

غير أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل سبقته مؤشرات قوية ظهرت خلال حراك الريف وحراك جرادة، حيث بدا واضحا غياب التأطير الحزبي التقليدي عن الميدان، مقابل حضور قوي لخطاب الكرامة والعدالة الاجتماعية. هذه المفارقة كشفت أن اليسار لم يختف كمنظومة قيم، بل استمر كروح تحرك المطالب الشعبية، في حين تراجع كتنظيم قادر على الفعل. كما أظهرت أن الأطر النظرية الكلاسيكية لم تعد كافية لفهم ديناميات احتجاجية تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية بالهوياتية والمجالية.

في هذا السياق، لعب الفضاء الرقمي دورا حاسما في إعادة تشكيل الفعل الاحتجاجي، حيث أصبح (الشارع الأزرق) مجالا مركزيا للتعبئة والتنظيم. فالحملات الرقمية، مثل جيل z، أثبتت قدرة كبيرة على التأثير دون الحاجة إلى هياكل تنظيمية تقليدية. ويتميز هذا الشكل من الاحتجاج بالسيولة، إذ يصعب تحديد قياداته أو التفاوض معه، كما يتسم بقدرة عالية على الانتشار السريع وتجاوز الحدود الجغرافية. بذلك، لم يعد الاحتجاج مرتبطا بزمن أو مكان محددين، بل أصبح حالة مستمرة تتغذى من التفاعل الرقمي اليومي.

أمام هذه التحولات، يجد اليسار المغربي نفسه في وضعية مفصلية، حيث لم يعد بإمكانه الاستمرار بالمنطق التنظيمي القديم دون أن يزداد تهميشه، كما أن الانخراط في الأشكال الجديدة للاحتجاج يتطلب مراجعات عميقة تمس بنيته وثقافته السياسية. فإما أن يتحول إلى فاعل مندمج في الديناميات القاعدية، متخليا عن نزعة الوصاية، أو أن يستمر في الانغلاق التدريجي إلى أن يتحول إلى مجرد ذاكرة سياسية. وفي كلتا الحالتين، يبدو واضحا أن المستقبل لم يعد حكرا على الأحزاب، بل أصبح مفتوحا أمام أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي والسياسي، أكثر مرونة وقدرة على التكيف.

إن ما نعيشه اليوم لا يعكس فقط أزمة اليسار، بل يعبر عن تحول أوسع يمس طبيعة الفعل السياسي ذاته، حيث تتراجع الوساطة التقليدية لصالح أنماط شبكية وأفقية، تستمد شرعيتها من القاعدة لا من المؤسسات. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن اليسار لا يزال حاضرا كأفق قيمي ومطلب اجتماعي، لكنه فقد أدواته التنظيمية التقليدية، تاركا المجال لفاعلين جدد يعيدون صياغة الاحتجاج بلغة العصر وأدواته.

سادسا: استشراف المستقبل سيناريوهات اليسار المغربي

يعيش اليسار المغربي اليوم لحظة تاريخية دقيقة تتقاطع فيها أزمات الداخل مع تحولات البنية السياسية والاجتماعية، بما يجعل مستقبله مفتوحا على احتمالات متباينة تتراوح بين التلاشي التدريجي وإعادة التأسيس الجذري. فمنذ تجربة التناوب التوافقي في نهاية التسعينيات، دخل هذا التيار في مسار معقد اتسم بتاكل رصيده الرمزي، وتراجع قدرته التعبوية، وتنامي مظاهر الاندماج في منطق السلطة، وهو ما أفرز وضعا ملتبسا لم يعد فيه اليسار قادرا على لعب أدواره التاريخية كقوة اقتراحية واحتجاجية في الآن نفسه. هذه الوضعية لا يمكن فهمها فقط من زاوية الاختلالات التنظيمية أو الأخطاء التكتيكية، بل ينبغي قراءتها في إطار أوسع يتداخل فيه ما هو بنيوي مرتبط بطبيعة النسق السياسي، وما هو ذاتي مرتبط بقدرة الفاعلين اليساريين على التجدد وإعادة تعريف ذواتهم.

في هذا السياق، يبدو أن أحد أبرز ملامح المرحلة يتمثل في انزلاق جزء مهم من اليسار نحو ما يمكن تسميته ب(التكيف السلبي) مع شروط الحقل السياسي، حيث لم يعد الصراع حول تغيير قواعد اللعبة، بل حول تحسين شروط الاندماج داخلها. هذا التحول أفرغ الخطاب اليساري من مضمونه النقدي الجذري، وحوله في كثير من الأحيان إلى لغة تقنية أو أخلاقية فاقدة للحمولة الإيديولوجية التي كانت تميزه تاريخيا. ومع مرور الوقت، أدى هذا التكيف إلى نوع من التطبيع مع منطق السلطة، بحيث أصبحت المشاركة في المؤسسات غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق مشروع مجتمعي بديل. في المقابل، لم تنجح هذه البراغماتية في تحقيق مكاسب سياسية نوعية، بل ساهمت في إضعاف المصداقية وتوسيع فجوة الثقة مع القواعد الاجتماعية التي كانت ترى في اليسار صوتا للمطالبة بالتغيير.

تتعمق هذه الأزمة أكثر حين نلاحظ أن اليسار فقد تدريجيا علاقته العضوية بما يمكن تسميته بـ(القاع الاجتماعي)، أي الفئات الشعبية والوسطى التي شكلت تاريخيا حاضنته الأساسية. فقد أدى التحول نحو النخبوية، سواء على مستوى اللغة أو القضايا المطروحة، إلى انقطاع جسور التواصل مع هذه الفئات، التي وجدت نفسها أمام خطاب لا يعكس أولوياتها اليومية المرتبطة بالشغل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية. هذا الفراغ لم يبق دون ملء، بل استغلته قوى أخرى، بعضها محافظ وبعضها شعبوي، استطاعت أن تقدم نفسها كبديل أقرب إلى هموم المواطنين، ولو بخطابات تبسيطية أو وعود غير قابلة للتحقق. وهكذا، وجد اليسار نفسه في موقع دفاعي، يفتقد القدرة على المبادرة، ويكتفي بردود الفعل أو بالمشاركة الرمزية في النقاش العمومي.
إلى جانب ذلك، تعاني البنية التنظيمية لليسار من أعطاب مزمنة، في مقدمتها التشتت والانقسام، وغياب آليات فعالة لتجديد النخب.

فبدل أن يشكل التنوع داخل اليسار مصدر غنى، تحول إلى عامل إضعاف بسبب صراعات الزعامة والخلافات الإيديولوجية غير المنتجة. كما أن شيخوخة القيادات وعدم انفتاحها الكافي على الأجيال الجديدة ساهم في تكريس صورة نمطية عن اليسار كفضاء مغلق، عاجز عن استيعاب التحولات الثقافية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع. ويزيد من حدة هذه الأزمة نزيف الكفاءات، حيث يفضل العديد من الأطر الشابة الانخراط في مجالات أخرى توفر فرصا أكبر للتأثير أو الاستقرار، مما يترك الأحزاب في حالة فراغ فكري وتنظيمي متزايد.

غير أن هذا المسار التراجعي لا يعني بالضرورة حتمية النهاية، بقدر ما يفتح المجال للتفكير في إمكانيات التجدد وإعادة التأسيس. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التيارات الفكرية لا تختفي بشكل نهائي، بل تمر بدورات من الصعود والأفول، وتتجدد حين تنجح في إعادة قراءة واقعها وتكييف أدواتها مع التحولات الجديدة. من هذا المنظور، يمكن القول إن مستقبل اليسار المغربي يظل رهينا بقدرته على إحداث قطيعة مزدوجة: قطيعة مع أعطابه الذاتية، وقطيعة مع أشكال الاندماج السلبي في النسق السياسي.

إن أحد المداخل الأساسية لهذا التجدد يتمثل في إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال الحضور الميداني والانخراط في القضايا اليومية للمواطنين. فبدل الاكتفاء بالعمل المؤسساتي أو النضال النخبوي، يحتاج اليسار إلى استعادة دوره كحركة اجتماعية قادرة على تأطير الاحتجاجات وتحويلها إلى مشاريع سياسية. وهذا يقتضي الانفتاح على التنسيقيات المطلبية، والحركات الشبابية، والمبادرات المدنية، والعمل على بلورة أفق سياسي يجمع بين المطالب الآنية والرؤية الاستراتيجية. في هذا الإطار، يمكن أن يشكل الربط بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبين التحديات الجديدة، مثل العدالة المناخية والتحول الرقمي، مدخلا لإعادة تعريف المشروع اليساري بشكل يتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

كما أن تجديد الخطاب يظل عنصرا حاسما في أي عملية إعادة تأسيس. فالتخلي عن اللغة الخشبية والقوالب الجاهزة لا يعني التخلي عن المرجعية، بل إعادة صياغتها بلغة قادرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع. ويتطلب ذلك تطوير أدوات تحليلية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات في بنية الطبقات، وصعود فئات اجتماعية جديدة، وتغير أشكال العمل والاحتجاج. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تجاوز الاختزال الاقتصادي للصراع الاجتماعي، ودمج قضايا الحريات الفردية والحقوق الرقمية والمساواة الجندرية ضمن المشروع التقدمي، بما يعكس تعددية مطالب المجتمع المعاصر.
ولا يقل البعد التنظيمي أهمية عن البعد الفكري، إذ إن أي مشروع للتجديد يظل رهينا بوجود أدوات تنظيمية فعالة وقادرة على الاستمرار. من هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في أشكال جديدة للتنظيم تتجاوز النموذج الحزبي الكلاسيكي، وتستفيد من إمكانيات التكنولوجيا الرقمية في التواصل والتعبئة. كما أن توحيد مكونات اليسار، أو على الأقل بناء جبهات تنسيقية قوية، يظل شرطاً أساسياً لاستعادة الوزن السياسي، خاصة في ظل نظام انتخابي لا يتيح فرصا كبيرة للأحزاب الصغيرة والمتفرقة. غير أن هذا التوحيد لا يمكن أن يتم فقط عبر اتفاقات فوقية، بل يجب أن ينبني على مشروع مجتمعي واضح، وعلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على التعاون بدل التنافس الداخلي.

في المحصلة، يبدو أن مستقبل اليسار المغربي سيتحدد في ضوء قدرته على الإجابة عن سؤال مركزي: هل يريد أن يستمر كفاعل وظيفي داخل النسق القائم، أم يسعى إلى استعادة دوره كقوة تغيير تاريخية؟ إن الخيار الأول قد يضمن له البقاء على المدى القصير، لكنه يكرس هامشيته ويفقده مبرر وجوده، بينما يظل الخيار الثاني محفوفاً بالمخاطر، لكنه يفتح أفقاً لإعادة الاعتبار للمشروع اليساري. وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير تيار كان يوما ما في قلب الدينامية السياسية والاجتماعية بالمغرب، وهو اليوم أمام اختبار وجودي سيحدد إن كان قادرا على التحول من ذاكرة نضالية إلى فاعل تاريخي متجدد.

خاتمة عامة

إن دراسة مسار اليسار المغربي تكشف عن رحلة شاقة بدأت من حلم الثورة وانتهت في دهاليز الإدارة. وإذا كانت المخزنة قد نجحت في تدجين جزء كبير من النخب اليسارية، فإن روح اليسار القائمة على التوق للعدالة والمساواة لا تزال نابضة في الحركات الاحتجاجية الجديدة. إن مستقبل اليسار بالمغرب ليس في استعادة مقاعد برلمانية، بل في استعادة روحه النضالية واستقلاليته الفكرية، ليكون قادرا على صياغة مشروع مجتمعي يتجاوز التوافقات الهشة نحو الديمقراطية الحقيقية.

المراجع المعتمدة

1.الساسي، محمد (2014). اليسار المغربي: من التأسيس إلى أزمة الهوية. الرباط: منشورات وجهة نظر.
2.حمودي، عبد الله (2000). الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية. الدار البيضاء: دار توبقال.
3.بنعلي، عبد القادر (2018). سنوات الرصاص والتحول الديمقراطي في المغرب. بيروت: المركز العربي للأبحاث.
4.وزارة الداخلية المغربية. النتائج الرسمية تشهد الساحة السياسية في المغرب تحولات ملحوظة تتعلق باليسار، حيث تبرز الراديكالية كأحد الاتجاهات الرئيسية التي تسعى إلى مواجهة هيمنة المخزن. في هذا السياق، يتطلب استشراف آفاق المستقبل التحليل الدقيق لهذه التحولات، بهدف فهم العلاقة بين القوى السياسية والمجتمع. إن قدرة اليسار المغربي على التكيف مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية ستكون حاسمة في تحديد دوره في المشهد السياسي المقبل. للانتخابات التشريعية (2011، 2016، 2021).
5.تقارير المندوبية السامية للتخطيط حول الفوارق الاجتماعية والطبقة الوسطى بالمغرب (2020-2023).
6.Bennani-Chraïbi, M. (2021). Partis politiques et protestations au Maroc. Paris: Presses de Sciences Po.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *