رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي
لم تعد المواجهة في الشرق الأوسط مجرد صراع تقليدي تقاس حدوده بالجغرافيا أو ترسم خرائطه بخطوط النار المتقطعة. ما يجري اليوم يتجاوز ذلك بكثير، إذ تتشكل معادلة جديدة عنوانها “وحدة الساحات”، لكن بمفهوم أكثر عمقا وتعقيدا، وهو (وحدة في الأهداف، في الأدوات، وفي النتائج).
من طهران إلى تل أبيب، مرورا بلبنان وغزة والعراق، تتقاطع مسارات المواجهة في مشهد يبدو وكأنه غرفة عمليات واحدة متعددة الجبهات. الصواريخ التي تعبر الأجواء، والمسيرات التي تغير قواعد الاشتباك، لم تعد أحداثا منفصلة، بل أجزاء من استراتيجية متكاملة تدار بإيقاع واحد، حتى وإن اختلفت الجغرافيا.
في هذا السياق، تبرز إيران كلاعب محوري يعلن بوضوح أن نهاية الحرب لن تكون إلا وفق شروط محددة، تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، لتشمل إعادة صياغة التوازنات الإقليمية. شروط تتحدث عن إنهاء شامل للعمليات العسكرية في مختلف الجبهات، وضمانات سياسية واقتصادية، وصولا إلى قضايا سيادية حساسة مثل مضيق هرمز.
هذا الطرح يعكس تحولا في طبيعة الصراع. من ردود فعل متفرقة إلى مشروع إقليمي متكامل. فـ”وحدة الساحات” لم تعد مجرد تضامن ميداني، بل أصبحت شبكة مترابطة من المصالح والأهداف، حيث تعتبر كل جبهة امتدادا للأخرى، وأي تصعيد في نقطة ما ينعكس مباشرة على باقي النقاط.
في المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام تحد غير مسبوق. محاولات تفكيك هذه الوحدة عبر استنزاف الجبهات واحدة تلو الأخرى لم تحقق أهدافها. لا في غزة، حيث لم تنه الاتفاقات المؤقتة الحرب، ولا في لبنان، حيث استمر التصعيد رغم الكلفة العالية، ولا حتى في باقي الساحات التي بقيت حاضرة في المشهد.
التحذيرات الصادرة عن الحرس الثوري الإيراني، وما تحمله من معادلات ردع مباشرة، تعكس انتقالا إلى مرحلة أكثر صراحة في إدارة الصراع. استهداف مقابل استهداف، ورد موحد على أي تصعيد ضد المدنيين في أي ساحة من ساحات المواجهة. والأخطر في هذه المعادلة الجديدة هو البعد الاستراتيجي الذي يربط أمن الأطراف المختلفة ببعضها البعض. فالتصريحات الإيرانية تؤكد أن مصالح حلفائها لم تعد خارج حساباتها، بل أصبحت جزءا من أمنها القومي، ما يعني أن أي تسوية لا تراعي هذا الترابط ستكون غير قابلة للحياة.
في ضوء ذلك، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة عنوانها: “إما أمن جماعي شامل، أو فوضى مفتوحة للجميع”. وهي معادلة تضع كل الأطراف أمام خيارات صعبة، حيث لم يعد بالإمكان احتواء النزاعات ضمن حدود ضيقة، ولا إدارة الحروب بشكل منفصل.
هكذا، تتبدل قواعد اللعبة. لم تعد الحرب تخاض على جبهة واحدة، ولا تحسم بقرار منفرد. إنها شبكة صراعات متداخلة، حيث تتحول كل ساحة إلى مرآة للأخرى، وكل قرار إلى عامل مؤثر في معادلة إقليمية معقدة، قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط لسنوات قادمة.
شارك المقال























Leave a Reply