تحولات الحركات الإسلامية المغربية الحلقة الاولى

رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح 

مقدمة

الحركات الإسلامية في المغرب ظاهرة بحثية غنية بالتعقيدات، نظرا لتفاعلها مع سياق سياسي واجتماعي فريد يتميز بوجود ملكية ذات شرعية دينية تاريخية متجذرةٍ في مؤسسة إمارة المؤمنين، إلى جانب تعددية حزبية وسياسية عريقة. تسعى هذه الدراسة إلى تحليل المسار التحولي لهذه الحركات، مركزة على انتقالها من (منطق الأزمة) الذي طبع نشأتها كاستجابة احتجاجية لتحديات الدولة الحديثة وتداعيات سقوط الخلافة، إلى (منطق البناء) الذي يقتضي تحولها إلى فاعلٍ استراتيجي يسهم بفاعلية في صياغة البدائل والسياسات العمومية.

جدلية النشوء ومنطق الأزمة: السياق التاريخي والفكر الحركي

ارتبطت نشأة الحركات الإسلامية المغربية، شأنها في ذلك شأن نظيراتها في المشرق، بسياق تاريخي اتسم بـ(الأزمة) الوجودية التي أعقبت مرحلة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية الحديثة. لم يكن (منطق الأزمة) مجرد ظرف تاريخي عابر، بل امتد ليشمل بنية العقل الحركي الذي ظل لفترة طويلة محكوما بعدة هواجس أساسية. تمحور الخطاب حول حماية الهوية الإسلامية من التحديات الخارجية، مثل التغريب والعلمانية، مما جعل المبادرة الفكرية للحركات تابعة لرد الفعل بدلا من أن تكون منتجة للفعل الاستباقي. هذا التوجه الدفاعي أثر على قدرتها على صياغة رؤى مستقبلية متكاملة. كما عانت الحركات من تردد بين العمل الدعوي الصرف والعمل السياسي الحزبي، مما أحدث غموضا مفاهيميا في تحديد طبيعة مشروعها، متسائلة هل هو مشروع خلاصٍ فردي أم مشروع تدبيرٍ مجتمعي شامل؟ هذا التردد أثر على وضوح الرؤية الاستراتيجية للحركات. بالإضافة إلى ذلك، اتسمت العلاقة مع الدولة بحذر مفرط، مما أدى إلى تفضيل التنظيمات المغلقة على المؤسسات المفتوحة، وغلبة التعبئة الأيديولوجية على التحليل المؤسسي الرصين. هذا الارتياب حد من قدرتها على الاندماج الفعال في الحياة السياسية والمؤسساتية. في الحالة المغربية، تجلى هذا المنطق بوضوح في المسارات الأولى لجمعية الشبيبة الإسلامية، وصولا إلى الانشقاقات التي أفرزت تيارات اختارت الاندماج في العمل السياسي (مثل حركة التوحيد والإصلاح التي أفرزت حزب العدالة والتنمية)، وأخرى فضلت المعارضة من الخارج (مثل جماعة العدل والإحسان). ورغم التباين في الوسائل والتوجهات، إلا أن (إرث الأزمة التأسيسية) ظل يلقي بظلاله على قدرة هذه الحركات في التحول نحو (منطق البناء الكامل)، الذي يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز رد الفعل إلى المبادرة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *