بين الألم والإهمال… رحلة معاناة داخل مستشفى الولادة بالرباط

رصد المغرب / ملاك العرابي


 أحيانا لا يكون المرض هو ما يُتعبنا وحده، وإنما الطريقة التي يُستقبل بها وجعنا، وكيف يُعامل الإنسان حين يذهب وهو في أضعف حالاته بحثا عن رحمة تُشبه الطب، فلا يجد إلا أبوابا موصدة أو أصواتا باردة.. في تلك اللحظات، لا يعود المستشفى مكانا للشفاء فقط، وإنما يصبح مرآة تكشف هشاشتنا أمام منظومة كان يفترض أن تحتضننا لا أن تُربكنا أكثر…

وفي هذا السياق، أروي ما حدث معي…ففي أحد الأيام، حين كان الجسد أكثر هشاشة من أن يحتمل أيّ ارتباك، قصدت مستشفى الولادة بالرباط، أحمل معي وجعا لا يُرى وقلقا لا يُقال.. دخلت قسم المستعجلات، وهناك استقبلني أطباء متدربون، كأنني مجرد حالة عابرة في دفتر مزدحم بالانتظار..طُلبت مني تحاليل، أنجزتها، وعدت في اليوم الموالي أحمل نتائجها بين يدي، كمن يحمل أملا صغيرا في ورق..لكن الطريق لم يكن طريق شفاء، بل متاهة أخرى..

حين وصلت إلى الجهة الأخرى من المستشفى، بجانب فضاء يُعرف بـ”لالة سلمى”، حيث جناح مخصص لمرضى السرطان، استقبلتني طبيبة في نحو الأربعين من عمرها.. نظرت إليّ، أو هكذا ظننت، ثم رفضت حتى أن تمنحني لحظة إنصات حقيقية. قالت إن التحاليل لم تطلبها هي، وكأن الألم يحتاج توقيعا مسبقا كي يُعترف به…

أُرسلت إلى الطابق الثالث.. بعد ان، كان الانتظار طويلا إلى حدّ يُطفئ ما تبقّى من طاقة الإنسان.. اضطررت أن أستجدي تدخل إحدى مساعداتها كي تسمح لي بالدخول عندها، وكأنني أطلب حقا ليس لي…

بعد قبولها بدأت في الفحص. إيكوغرافيا عابرة، ووجع لا يحتمل العبور… حاولت أن أشرح موضع الألم، بأن أضع يدي على مكاني في الجسد كمن يدلّ على وطن مفقود، لكنها أجابت بجملة باردة.. إنها مختصة فقط في تتبع الجنين، لا أكثر.. انتهى الفحص، وانتهى معه السؤال، وبقيت أنا معلّقة بين ملف طبي بلا روح، وأسئلة بلا إجابة…

ثم بدأت رحلة أخرى… رحلة الأوراق والختم والمكاتب، حيث يتحول الإنسان إلى رقم يطوف بين الأبواب.. طُلب مني أداء مبلغ قيل إنه 600 درهم، رقم بدا لي بعيدا عن منطق التسعيرة المعتادة، وعن العدالة التي يُفترض أن ترافق العلاج لا أن تناقضه.. اعترضت، فكان الرد قاسيا، جافا، كأن الاعتراض نفسه خطأ إضافي…

سُحب الملف من بين يدي، وتُركت دون وصفة، دون توضيح، ودون حتى إجابة تُشبه الطب في معناه الإنساني.. قيل لي إن عليّ العودة إلى المستعجلات أو الذهاب حيث أشاء.. دفعت المبلغ، وغادرت وأنا أحمل شيئا أثقل من الألم نفسه.. شعور بأنني غير مرئية…

وفي زحمة كل ذلك، نسيت ورقة الضمان الاجتماعي.. عدت إلى البيت مثقلة بالخذلان، ثم اضطررت لاحقا إلى العودة من جديد، وكأن الطريق إلى العلاج يجب أن يُعاد مرارا كي يُثبت الإنسان أنه يستحقه…

الأشد قسوة لم يكن في الإجراءات وحدها، وإنما في أنني أعيش أصلا مع إعاقة في رجلي اليسرى، نتيجة خطأ طبي سابق أثناء ولادتي الأولى، ما يجعل أي تعامل طبي معي ليس مجرد فحص عابر، بل مسؤولية إنسانية مضاعفة، كان يفترض أن تُقابل بالرعاية لا بالتجاهل..

خرجت من كل ذلك وأنا أشعر أن الألم لم يعد في الجسد فقط… بل في النفس أيضا، حين يُختزل الإنسان في ملف، ويُترك وحده في مواجهة مؤسسة يفترض أن تكون ملاذه الأخير، لا محطته الأصعب.

ما كنت أظنه نهاية للمعاناة، كان في الحقيقة بداية فصل آخر أكثر قسوة.. ففي المستشفيات، لا يُرهق المريض مرضه وحده، وإنما تلك التفاصيل الصغيرة التي تترك ندوبا خفية في الروح؛ نظرة متعالية، كلمة جارحة، أو باب يُغلق في وجه إنسان جاء محمّلا بالخوف والوجع.. كنت أتنقل بين الطوابق والمكاتب كما لو أنني أبحث عن قليل من الرحمة الضائعة وسط ضجيج الإجراءات واللامبالاة، بينما كانت نفسيتي تتآكل بصمت، ويكبر داخلي إحساس موجع بأن المريض في بعض الأحيان لا يحتاج فقط إلى دواء… بل إلى من يشعر بأنه إنسان..

ولم تنتهِ المعاناة عند ذلك الحد، وإنما بدا وكأن كل باب أطرقه يفتح على باب آخر من الإرهاق النفسي والجسدي.. حين اكتشفت أنني نسيت ورقة الضمان الاجتماعي، عدت إلى المستشفى فقط من أجل طباعتها، لكن حتى هذا الأمر البسيط تحوّل إلى مواجهة جديدة.. أخذتني الموظفة إلى المسؤولة عن “شهادة الاحتياج” الذي كنت قد تقدمت بها سابقا بسبب التكلفة المرتفعة التي فُرضت عليّ دون مبرر واضح.. ورغم أن المسؤولة بدت في البداية منحازة للطبيبة، إلا أنها تعاملت معي بعدل وإنصاف، وطلبت من الموظفة العودة إلى عملها، ثم تحدثت إليّ بهدوء واحترام خفّفا قليلا من وطأة ما كنت أشعر به..

لكن الطريق ظل مليئا بالرفض والمتاهات.

صعدت إلى الطابق الثالث بناء على توجيهاتهن، غير أنهم رفضوا استقبالي بحجة أنني أحتاج إلى رسالة تشرح سبب رفض الجهة السابقة لحالتي، تلك الجهة التي بدأت فيها المشكلة كلها.. خرجت وأنا أحمل داخلي شعورا مريرا بالعجز، كأنني أتنقل بين الطوابق لا بحثا عن علاج، بل بحثا عمّن يعترف بحقي في أن أُعامل بإنسانية..

وفي الطابق الرابع، وجدت وجها مختلفا وسط كل هذا التعب.. استقبلتني موظفة بابتسامة دافئة، رأت ارتباكي وحالتي النفسية المنهكة، فوعدتني بتحديد موعد ومساعدتي.. أحيانا، كلمة طيبة واحدة تكفي لترمم شيئا انكسر في الداخل.

لكن حتى تلك اللحظة الإنسانية لم تمنع عودة المعاناة من جديد..

حين عدت في الموعد المحدد، اصطدمت بمسؤولة أخرى داخل غرفة استقبال المواعيد، كانت تتعامل مع النساء بقسوة واستفزاز، وكأن التعب الذي نحمله لا يكفي.. نساء قادمات من مدن بعيدة، يستهلكهن الانتظار والتنقل لأشهر طويلة، ثم يجدن أنفسهن أمام كلمات جارحة تضغط على ما تبقى فيهن من صبر…

وقبل كل ذلك، كانوا قد منحوني رسالة إلى مستشفى الاختصاصات لمعرفة ما إذا كانت ولادتي ستتم تحت تأثير البنج النصفي.. هناك بدأت رحلة أخرى من الانتظار والفحوصات والمواعيد. تنقلت بين أقسام الأشعة و”السكانير” والمراجعات الطبية، أحمل قلقي معي من موعد إلى آخر، وأنتظر النتيجة كما ينتظر الغريق خشبة نجاة..

وخلال تلك الفترة، تعاقبت على مواعيدي طبيبات كثيرات، بعضهن كنّ يمررن كأسماء عابرة، لكن إحداهن بقيت صورتها عالقة في ذاكرتي؛ طبيبة بأظافر طويلة مطلية بالسواد، كانت كلماتها قاسية كأنها لا ترى أمامها نساء متعبات، بل مجرد أرقام في طابور طويل من الألم..

وفي المقابل، كان هناك طبيب موريتاني الجنسية، يشبه الاستثناء الجميل وسط كل ذلك التعب.. قرأ ملفي الطبي بعناية، وفهم حجم المعاناة التي أعيشها بسبب الخطأ الطبي الذي تعرضت له خلال ولادتي الأولى على يد طبيب التخدير، حين ترك ذلك الخطأ أثره الأبدي في رجلي اليسرى.. تعامل معي بإنسانية حقيقية، وكتب تقريرا طبيا مفصلا يشرح حالتي بدقة، حتى يكون كل من سيشرف على ولادتي على دراية كاملة بوضعي الصحي الحساس..

لكن القدر أعادني مجددا إلى إشراف تلك الطبيبة نفسها، صاحبة الأظافر السوداء والكلمات التي كانت تُشبه السمّ، تُرهق النساء أكثرو مما تُطمئنهن..

ورغم كل ما حدث، يبقى في الذاكرة بعض الضوء.. لذلك، لا يسعني في ختام هذه المعاناة إلا أن أتقدم بخالص الشكر والامتنان لطبيب التخدير الذي تفهّم وضعي الصحي، وتعامل معي بضمير مهني وإنساني، وبذل كل جهده حتى لا أعيش مأساة خطأ طبي جديد يشبه ذلك الذي غيّر حياتي إلى الأبد..

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *