رصد المغرب /عبد المولى المروري
كلما اقترب موعد انتخابي جديد إلا ويعود النقاش السياسي بالمغرب بحدة، وأحيانا بقساوة مفرطة ليفرض السؤال (القديم/الجديد) نفسه على الجميع: «هل ينبغي المشاركة في الانتخابات أم مقاطعتها؟»، وكأن السياسة كلها تختزل في هذه اللحظة العابرة التي يضع فيها المواطن ورقة في صندوق الاقتراع، أو يمتنع عن وضعها. والحقيقة أن هذا السؤال، رغم أهميته الظاهرة، يخفي وراءه سؤالا أعمق وأخطر: «ما قيمة الانتخابات أصلا داخل نظام سياسي لا تزال فيه السلطة الحقيقية أوسع من المؤسسات المنتخبة، وأقوى من الحكومة، وأعلى من البرلمان، وأقدر من الأحزاب على صناعة القرار وتوجيه المسار؟». كما ينبغي طرح السؤال المقابل له: «ما جدوى المقاطعة التي دامت عقودا داخل مجتمع لا يزال فيه الشعب يفضل الأمن المصحوب بالاستبداد على التضحية من أجل تحقيق الحرية، ويرتاح في أجواء العبودية المختنقة أكثر من ارتياحه في فضاء الكرامة الأرحب.. ؟».
لقد عادت هذه الأسئلة إلى الواجهتين السياسية والإعلامية في الآونة الأخيرة من خلال سجال غلب عليه الجانب السياسي أكثر من الجانب الفكري بين حزب العدالة والتنمية (بقيادة عبد الإله ابن كيران)، الذي ظل يعتبر المشاركة الانتخابية خيارا إصلاحيا استراتيجيا وضروريا لا محيد عنه، وجماعة العدل والإحسان (بقيادة محمد عبادي)، التي ظلت تعتبر المقاطعة موقفا سياسيا وأخلاقيا في ظل شروط انتخابية ودستورية لا تسمح بوجود إرادة شعبية حرة وحقيقية.
لن يكون القصد من هذه القراءة محاولة الانتصار لطرف دون آخر، ولا تحويل المقال إلى محاكمة حزبية أو جماعاتية، بل هو محاولة بسيطة ومساهمة متواضعة من أجل فهم الظاهرتين معا: «ظاهرة المشاركة» و«ظاهرة المقاطعة»، بعيدا عن لغة التخوين، وعن لغة التقديس، في سياق الواقع السياسي المغربي، مع استحضار التجارب الانتخابية السابقة.
فلا يمكن اعتبار المشاركة الانتخابية فضيلة في ذاتها لأنها فقط تزاحم الفساد السياسي، ولا يمكن اعتبارها رذيلة في ذاتها لأنها تعطي الشرعية لواقع سياسي فاسد، وكذلك الشأن بالنسبة للمقاطعة، فهي أيضا ليست فضيلة في ذاتها لأنها ترفض تزكية الفساد السياسي والانتخابي، ولا يمكن اعتبارها طهرانية مزيفة لأنها تنأى بنفسها عن مزاحمة ومحاربة الفساد من داخل المؤسسات ..
فهذه المشاركة قد تكون عملا إصلاحيا شجاعا عندما تدخل المؤسسات من أجل توسيع الممكن، ومحاربة الفساد، ومواجهة السلطوية والاستبداد، وحماية المجتمع من توحش الأوليغارشية، وتقليل الأضرار الاقتصادية والاجتماعية، وفتح هوامش جديدة للفعل السياسي.. لكنها قد تتحول، في شروط أخرى، إلى مجرد وظيفة داخل هندسة سياسية معدة سلفا، تمنح الشرعية لمسار فاسد لا تملك تغييره، وتمنح الغطاء الشعبي لقرارات غير شعبية لا تصنعها، وتضع الفاعل السياسي في موقع من يتحمل المسؤولية أمام الناس دون أن يملك السلطة الحقيقية أمام الدولة.
وكذلك الأمر بالنسبة للمقاطعة.. فقد تكون موقفا أخلاقيا نبيلا عندما تعري الخلل، وترفض تزكية العبث السياسي، وتقول للناس إن الصندوق لا يكفي وحده لصناعة الديمقراطية إذا كانت شروطها غائبة. لكنها قد تتحول هي أيضا وفي شروط أخرى، إلى عزلة مريحة، أو انتظار عبثي طويل بلا أمل، أو احتجاج عابر أو موسمي بلا أثر، أو موقف صحيح من الناحية المبدئية لكنه عاجز عن إنتاج ميزان قوة جديد أو ضغط فعال أو بدائل حقيقية لتغيير الواقع.
ومن هنا تبدو الأزمة في المغرب أعمق من ثنائية المشاركة/المقاطعة.. لأن المشكلة لا تنحصر فقط في من يدخل الانتخابات ومن يخرج منها، بل في طبيعة المجال السياسي نفسه.. هل نحن أمام مجال مفتوح للتنافس الحقيقي؟ هل الأحزاب تملك – فعلا – سلطة صياغة السياسات العمومية الكبرى؟ هل الحكومة المنتخبة قادرة على تنفيذ برنامجها الذي تعد به الشعب؟ هل البرلمان يراقب السلطة/الدولة أم يراقب فقط الحكومة؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ هل الناخب يختار فعلا من يحكمه، أم يختار – فقط – من يتحمل أمامه واجهة التدبير اليومي؟
هذه هي الأسئلة الحارقة والحقيقية التي ينبغي أن تسبق سؤال المشاركة والمقاطعة!! لأن المشاركة داخل نظام ديمقراطي حقيقي ليست هي المشاركة داخل نظام «ديمقراطي» محدود أو مضبوط أو احتوائي.. والمقاطعة داخل نظام مغلق ليست هي المقاطعة داخل نظام يسمح أصلا بتراكم سياسي ومجتمعي من خارج المؤسسات.. لذلك فإن أي نقاش سياسي لا يبدأ من طبيعة النظام السياسي، ومن توزيع السلطة داخله، وحدود وطبيعة الممارسة السياسية سيظل نقاشا ناقصا، أو مختلا، وربما مضللا.
لقد بنى حزب العدالة والتنمية تصوره على فكرة الإصلاح من داخل المؤسسات، وهي فكرة لا يمكن الاستهانة بها ولا السخرية منها، رغم أنها تحمل معها قدرا معتبرا من الوهم، ولقد كتبت مقالا مفصلا عن ذلك (1).. فالمجتمعات لا تتغير دائما بالقطيعة، ولا تبنى الدول دائما بالانسحاب، ولا يمكن ترك المؤسسات كلها للفساد والتحكم والمال الانتخابي ثم انتظار إصلاح يأتي من الفراغ. وقد كان لهذا المنطق جاذبيته عند فئات واسعة من المغاربة، خصوصا عندما ظهر الحزب في مراحل معينة باعتباره قوة سياسية نظيفة إلى حد كبير، منظمة بشكل جيد، قريبة من المجتمع، وذات خطاب أخلاقي وسياسي مختلف عن خطابات الأحزاب الإدارية التقليدية والوطنية.
لكن في الواقع وعلى الارض قد كشفت تجربة المشاركة حدود هذا الاختيار.. فقد وصل الحزب إلى رئاسة الحكومة مرتين متتاليتين (وهي سابقة في التاريخ السياسي المغربي)، وامتلك شرعية انتخابية معتبرة، لكنه اصطدم بسقف السلطة المنخفض، وبشبكة المصالح المعقدة، وبقوة التحكم التي لا تترك هامشا للمبادرة، وبمؤسسات رسمية لا تنتظر – في أصل وجودها ونشأتها – صناديق الاقتراع كي تحدد اتجاهها وأهدافها واختياراتها (بنك المغرب، المندوبية السامية للتخطيط، صندوق الإبداع والتدبير، مجلس المنافسة..).. لأن لها علاقة برئاسة الدولة وليس رئاسة الحكومة، وهنا ظهرت المفارقة القاسية: حزب يفوز انتخابيا، لكنه لا يحكم بالقدر الذي يتصوره الناخب؛ وحكومة تتحمل المسؤولية السياسية، لكنها لا تملك كل أدوات القرار السياسي والاقتصادي؛ وناخب يمنح الثقة، ثم يكتشف أن صوته لا يؤدي إلى تغيير البنية العميقة للدولة، وهذا ما عبرت عنه في مقال سابق ب: «وهم الإصلاح من الداخل».
ومع ذلك، سيكون من الظلم اختزال تجربة المشاركة كلها في الفشل.. فقد كشفت هذه التجربة، على الأقل، طبيعة الدولة، وعرّت حدود الحكومة، وأثبتت أن المشكل ليس فقط في الأحزاب كما يتم ترويجه للناس باستمرار، بل في بنية سياسية تجعل الفاعل السياسي المنتخب محدودا، وتجعل الفاعل غير المنتخب أو المُعَيَّن (بتعبير أدق) أكثر تأثيرا.. غير أن عمق المشكلة يكمن في أن الحزب لم يحسن تحويل هذه التجربة إلى وعي سياسي جديد، بل حاول فقط وفي مناسبات عديدة تبرير العجز بلغة الواقعية السياسية، أو تغليف التراجع بخطاب المصلحة الوطنية، أو تقديم التنازلات باعتبارها حكمة، بينما كان جزء واسع من المجتمع يراها هزيمة أخلاقية وسياسية.
وفي المقابل، بنت جماعة العدل والإحسان موقف المقاطعة على نقد قد يبدو في ظاهره عميقا لشروط اللعبة السياسية، معتبرة أن الانتخابات، في ظل الدستور الحالي وموازين السلطة القائمة، لا تنتج إرادة شعبية حقيقية بقدر ما تنتج واجهة انتخابية لنظام لا يسمح بتداول فعلي على السلطة.. وهذا الموقف له وجاهته، خاصة عندما ننظر إلى محدودية صلاحيات المؤسسات المنتخبة (سواء على مستوى الحكومة أو البرلمان أو المجالس الجماعية)، وإلى تدخل الإدارة والمال والنفوذ، وإلى ضعف الثقة الشعبية في الانتخابات، وإلى العزوف المتصاعد الذي لم يعد موقفا تنظيميا لجماعة أو حزب، بل أصبح مزاجا شعبيا عاما لدى فئات واسعة من المغاربة.
لكن المقاطعة، بدورها، تطرح سؤالها الصعب: ماذا بعد المقاطعة؟ هل يكفي أن نعلن فساد اللعبة ثم ننسحب منها؟ هل المقاطعة وحدها قادرة على بناء بديل سياسي؟ هل استطاعت القوى المقاطِعة أن تحول موقفها إلى قوة اجتماعية ضاغطة؟ هل أنتجت نخبا سياسية وثقافية بديلة؟ هل بنت مؤسسات موازية في المجتمع؟ هل استطاعت أن تجعل من المقاطعة رسالة سياسية منظمة ومعلومة الوِجهة، أم ظلت هذه المقاطعة في أغلب الأحيان سلوكا فرديا صامتا تستفيد منه السلطة وتجار الانتخابات أكثر مما يتضرران منها؟
ومن تجليات هذا الاختلاف في التصور السياسي أن عبد الإله ابن كيران يميل، في خطابه السياسي إلى النظر بريبة إلى أغلب الحركات الاحتجاجية، ويرى أن الحفاظ على استقرار الدولة ووحدتها ينبغي أن يظل مقدَّمًا على أي حراك اجتماعي قد يفضي – في تقديره – إلى إضعاف مؤسساتها أو فتح الباب أمام الفوضى، وهو ما يفسر مواقفه المتحفظة أو الرافضة أو المشككة لعدد من الاحتجاجات الاجتماعية. وفي المقابل، تميل جماعة العدل والإحسان إلى مساندة معظم الحركات الاحتجاجية، انطلاقًا من اعتبارها تعبيرًا مشروعًا عن المطالب الشعبية، ووسيلة للضغط من أجل الحد من الاستبداد والدفع نحو إصلاح سياسي أعمق.
غير أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا ليس: من يساند الاحتجاج ومن يتحفظ عليه؟ بل: هل استطاع هذا الخيار أو ذاك أن يراكم قوة مجتمعية كافية لإحداث تحول حقيقي في ميزان القوى؟ فالتجربة إلى اليوم توحي بأن التحفظ الدائم على الاحتجاج لم ينتج إصلاحًا مؤسسيًا عميقًا، كما أن المساندة الدائمة للاحتجاج لم تنتج، هي الأخرى، انتقالًا سياسيًا يحقق أهداف المحتجين.
لقد كشفت التجربتان معا حدود كل من المشاركة والمقاطعة؛ فالمشاركة لم تنجح في الوصول إلى عمق الدولة وبنيتها الحقيقية بعدما اصطدمت بأسوار الدولة العميقة، فظلت أسيرة مؤسسات محدودة الصلاحيات..
بينما لم تستطع المقاطعة أن تتجاوز بالقدر الكافي الإطار التنظيمي والوصول إلى مشروع مجتمعي قادر على تغيير موازين القوة، فبقيت حبيسة فضائها التنظيمي..
فالمشاركة لم تصل إلى عمق الدولة، والمقاطعة لم تصل إلى عمق المجتمع؛ بينما ظل الشعب ينتظر مشروعا وطنيا يتجاوز هذا الاستقطاب الحاد والسجال غير المنتج لأي أطروحة واقعية بمقدورها جمع شمل الصف الوطني والسير به نحو الإصلاح والتغيير.
وهنا تكمن المفارقة.. فالمشاركة قد تتحول إلى تزكية للفساد والاستبداد، والمقاطعة قد تتحول إلى فراغ في المشهد السياسي.. المشاركة قد تمنح الدولة واجهة للتسويق السياسي، والمقاطعة قد تترك له الساحة بلا مقاومة انتخابية ولا معارضة سياسية.. المشاركة قد تستهلك الفاعل السياسي وتستنزفه داخل مؤسسات محدودة، والمقاطعة قد تضعفه خارجها إذا لم يقدم مشروعا مجتمعيا واضحا وواسعا ومنظما. ولذلك لا يكفي أن يسأل الحزب الجماعة: ماذا حققتم بالمقاطعة؟ ولا يكفي أن تسأل الجماعة الحزب: ماذا حققتم بالمشاركة؟ فكلا السؤالين مشروع، وكلاهما موجع، وكلاهما يكشف جزءا من الحقيقة، ولكن لا أحد منهما يعطي جوابا موضوعيا ومقنعا وصريحا.
وربما لا يتعلق الأمر بفراغ فكري فحسب أو خطأ في التقدير السياسي، بل بما يمكن تسميته “الحتمية التنظيمية”. فكل تنظيم يميل مع مرور الزمن إلى الدفاع عن الوسيلة التي نشأ عليها، حتى تتحول الوسيلة إلى جزء من هويته، وتبعا لذلك يصبح من الصعب على الحزب الذي اختار المشاركة أن يتخيل السياسة خارج المؤسسات، كما يصبح من العسير على الجماعة التي بنت مشروعها على المقاطعة أن ترى في المشاركة بشروطها الحالية إمكانا للإصلاح.. وهكذا تتحول الوسائل إلى عقائد، وتصبح الهوية التنظيمية أقوى من المراجعة الفكرية.
لقد وقع الطرفان، بدرجات مختلفة، في اختزال السياسة في محطات ومناسبات.. أنصار المشاركة اختزلوا الإصلاح أحيانا في الانتخابات، وأنصار المقاطعة اختزلوا المقاومة أحيانا في مقاطعة الانتخابات.. والحال أن السياسة أوسع من الصندوق وأعمق من المقاطعة.. السياسة في بعدها الاستراتيجي هي بناء الوعي، وتأطير المجتمع، وإنتاج الأفكار، وتكوين النخب، وحماية القيم، ومقاومة الفساد، ومحاربة الاستبداد، وبناء القوة المدنية، والدفاع عن الحرية، والبحث عن العدالة الاجتماعية، واسترجاع الكرامة الإنسانية، وصناعة الثقافة السياسية التي تجعل المواطن قادرا على الفهم والاختيار والضغط والمبادرة والمحاسبة، ليصل – عن اقتناع وبمسؤولية – إلى ضرورة التضحية من أجل تحقيق كل ذلك إلى أبعد نقطة ممكنة. و على أهميته كل هذا، لم تهتم به المشاركة عند حزب العدالة والتنمية، ولم تتفرغ له المقاطعة عند جماعة العدل والإحسان.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نشارك أم نقاطع؟ بل: ما المشروع المجتمعي الذي يحمله المشاركون؟ وما البديل السياسي الذي يبنيه المقاطعون؟ فالمشاركة بلا مشروع مجتمعي واضح سوف تتحول إلى اندماج وظيفي في منظومة قائمة كما هو الحال اليوم.. والمقاطعة بلا رؤية سياسية تتحول إلى موقف احتجاجي بلا أثر تراكمي كما نشاهده اليوم.. والانتخابات بلا ثقافة سياسية تصبح موسما دوريا للوعود والولائم والمال والتزكيات.. والمقاطعة بلا تنظيم للوعي تصبح مجرد صوت لا يسمعه أحد وأغنية حزينة لا تطرب إلا اليائسين والغاضبين.
إن المغرب لا يحتاج إلى تقديس المشاركة أو تبخيسها، ولا إلى تقديس المقاطعة أو استصغارها، بل يحتاج إلى تحرير السياسة من الأوهام (2).. من أوهام الانتخابات التي تقدم للناس كما لو أنها الطريق الوحيد للتغيير، ومن أوهام المقاطعة التي تقدم أحيانا كما لو أنها تكفي وحدها لإسقاط شرعيتها.. فالشرعية لا تسقط بالرفض وحده، كما أن الإصلاح لا يتحقق بالحضور الشكلي وحده.
وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من تجربة حزب العدالة والتنمية، فهو أن دخول المؤسسات دون امتلاك شروط القوة السياسية والمجتمعية والثقافية قد يؤدي إلى استنزاف الفاعل السياسي أكثر مما يؤدي إلى إصلاح النظام. وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من موقف جماعة العدل والإحسان، فهو أن صحة النقد لا تعفي من واجب بناء البديل، وأن قوة الموقف الأخلاقي لا تكفي وحدها ما لم تتحول إلى قوة اقتراحية وتنظيمية ومجتمعية قادرة على التأثير في الواقع والتحرك الشجاع نحو التغيير.
إن السياسة في المغرب مأزومة ومختنقة لا لأن هناك من يشارك وهناك من يقاطع، بل لأنها لم تستطع إلى حدود اللحظة أن تنتج تعاقدا وطنيا واضحا حول معنى السلطة، ومعنى المسؤولية، ومعنى المحاسبة، ومعنى الإرادة الشعبية.. وما دام هذا التعاقد غائبا، ستظل الانتخابات عديمة الأثر، وستظل المقاطعة محدودة الأفق، وسيظل المواطن حائرا بين صندوق لا يثق فيه، ومقاطعة لا يرى نتائجها، وأحزاب لا تطمئنه، ودولة لا تترك له اليقين الكافي بأن صوته قادر على التأثير في واقعه وتغيير مصيره.
وأمام كل هذا، هل تستفيد الدولة نفسها من استمرار هذا السجال؟ في تقديري نعم، لأن الدولة لا يزعجها كثيرا أن يهاجم الحزبُ الجماعةَ، أو أن تهاجم الجماعةُ الحزبَ.. الذي يزعجها هو أن يجلس الجميع على طاولة واحدة لمناقشة شروط الانتقال الديمقراطي.. فكلما انشغلت القوى المعارضة أو الفاعلة بتبادل الاتهامات حول جدوى المشاركة أو المقاطعة، ابتعد النقاش عن السؤال الأكثر إزعاجا: كيف يمكن إصلاح قواعد اللعبة السياسية نفسها ومن أساسها؟ وهكذا يستمر الخلاف حول الوسائل والغايات، بينما تبقى بنية النظام السياسي خارج دائرة النقاش الحقيقي.
ولعل الطريق الأكثر واقعية لا يبدأ بالمشاركة وحدها، ولا بالمقاطعة وحدها، وإنما يبدأ ببناء القوة المجتمعية المستقلة.. فكلما ازداد المجتمع تنظيما، وارتفع مستوى وعيه، وتقوت مؤسساته المدنية، وأصبح قادرا على الضغط السلمي، أصبحت المشاركة أكثر جدوى، وأصبحت المقاطعة أكثر تأثيرا. أما في غياب هذه الشروط، فستظل المشاركة تدور في الحلقة نفسها، وستظل المقاطعة تدور في الحلقة نفسها أيضا.
لذلك، فالمطلوب اليوم ليس أن ينتصر حزب العدالة والتنمية على جماعة العدل والإحسان في سجال إعلامي عابر، ولا أن تنتصر الجماعة على الحزب في محاكمة أخلاقية لتجربته، بل أن ينتصر العقل السياسي المغربي على كسله القديم، وأن يخرج من ثنائية المشاركة والمقاطعة إلى سؤال البناء: كيف نبني مجتمعا واعيا، وقوى مستقلة، ونخبا شجاعة، ومؤسسات ذات معنى، وثقافة سياسية تجعل المشاركة ذات أثر على المجتمع وعلى اختيارات الدولة، وتجعل المقاطعة ذات تكلفة على الدولة.. وتجعل الدولة، أيا كان موقعها، تدرك أن الشعب ليس مجرد رقم انتخابي، ولا مجرد كتلة صامتة، ولا مجرد زبون بئيس أو مواطن تعيس.. بل هو مصدر الشرعية وغاية السياسة وعمق المواطنة.
فالسياسة ليست صندوقا فقط، وليست مقاطعة فقط.. السياسة، في معناها العميق، هي معركة الوعي قبل أن تكون معركة المقاعد، وهي بناء الإنسان قبل بناء التحالفات، وهي صناعة القوة المجتمعية قبل انتظار نتائج الانتخابات.. ومن لم يفهم هذه الحقيقة سيظل يدور في الحلقة نفسها: انتخابات بلا تغيير، ومقاطعة بلا أثر، وسجالات بلا أفق، ووطن ينتظر سياسة تليق بكرامة أبنائه إلى أجل غير مسمى.
وإذا كان لهذا السجال من فائدة أيضا، فذلك أنه كشف الحاجة الملحة إلى فتح حوار سياسي وفكري جاد بين مختلف المكونات السياسية والحركية المغربية، لا من أجل توحيد مواقفها بالضرورة، ولا لإذابة خصوصياتها التنظيمية، وإنما من أجل بناء حد أدنى من الفهم المتبادل، ومناقشة القضايا الكبرى التي ما تزال تؤجل منذ عقود، ويمكن أن نلخصها في: طبيعة الدولة، وشروط الإصلاح، وجدوى المشاركة، وحدود المقاطعة، وأولويات العمل السياسي، وآفاق الانتقال الديمقراطي، وبناء القوة المجتمعية، والعلاقة بين السياسي والثقافي والحقوقي والدعوي.
إن الاختلاف في الوسائل ليس خطرا على أي مشروع وطني، بل قد يكون مصدر غنى إذا أحسن تدبيره.. أما الخطر الحقيقي فهو أن يتحول هذا الاختلاف المسموع إلى قطيعة صامتة، وأن تستنزف القوى الإصلاحية طاقتها في إدارة خلافاتها الداخلية، بينما تستمر البنيات المنتجة للاستبداد والفساد في العمل بهدوء ودون مقاومة فكرية وسياسية ومجتمعية موحدة.
لقد انشغل «المشاركون» بالمؤسسات، وانشغل «المقاطعون» بالمواقف، بينما تفرغت الدولة، منذ عقود، لبناء الإنسان الذي تريد، وإعادة تشكيل وعيه، وصياغة أولوياته، والتحكم في المجالات الثقافية والتربوية والإعلامية.. ولذلك بقي الصراع يدور في السطح، بينما كانت المعركة الحقيقية تجري في العمق، في عمق الإنسان وعقله ووجدانه، وفي عمق المجتمع وشبكاته العلائقية.
وأدعو، من هذا المنبر، كل القوى السياسية والفكرية والحقوقية والدعوية، المشاركة منها والمقاطعة، إلى إطلاق سلسلة من الحوارات الوطنية المفتوحة، لا تبحث فيها عن المنتصر، وإنما تبحث عن الحقيقة، ولا تدافع عن الوسائل، وإنما تناقش الغايات، ولا تنطلق من سؤال: من كان على صواب؟ بل من سؤال: كيف نخرج المغرب من أزمته السياسية والحضارية؟
وربما آن الأوان لأن تنتقل النخب السياسية والفكرية والحقوقية والدعوية في المغرب من مرحلة المناظرات غير المباشرة إلى مرحلة الحوارات الوطنية المفتوحة والمتعددة.. فالمجتمعات لا تتقدم حين يتفق الجميع، وإنما تتقدم حين يحسن المختلفون إدارة اختلافهم، وحين يتحول الحوار إلى وسيلة مشتركة للبحث عن الحقيقة، لا إلى أداة لإثبات الغلبة والأحقية والصواب.. ولعل المغرب اليوم في حاجة إلى “ثقافة الحوار بين المشاريع الكبرى”، أكثر من حاجته إلى مزيد من السجالات الصغيرة التي ينتهي معظمها بتعميق الهوة بين الفاعلين لفائدة الفساد والاستبداد وعلى حساب الشعب والوطن.
شارك المقال























Leave a Reply