حين يتحول طفل في بوسطن إلى ورقة سياسية. تبون يبحث عن المغرب حتى في مدرجات الكرة

رصد المغرب / عبدالصمد الشرادي/


لم يكن تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول قضية الطفل الجزائري الأمريكي وسيم مجرد متابعة إنسانية عادية لمواطن في الخارج. من حيث المبدأ، لا أحد يمكنه أن يعترض على حماية دولة لرعاياها، ولا على تحرك سفارة أو قنصلية عندما يتعرض قاصر لحادث عنف أو اعتداء. هذا واجب دبلوماسي قبل أن يكون موقفاً سياسياً. غير أن الإشكال يبدأ حين تنتقل الدولة من واجب الرعاية إلى منطق الاستثمار، ومن حماية طفل إلى توسيع معركة رمزية مع المغرب.

القضية، كما جرى تداولها، تتعلق بطفل جزائري أمريكي مقيم في بوسطن، قيل إنه تعرض لاعتداء على هامش أجواء مباراة كروية. إلى هنا، نحن أمام حادث يفترض أن يترك للشرطة الأمريكية والقضاء الأمريكي، خصوصاً أن الوقائع لم تصدر بشأنها، إلى حدود المعطيات المتداولة، رواية رسمية حاسمة تؤكد كل ما رُوّج حول هوية المعتدين وعددهم وخلفياتهم. لكن في الجزائر، تحولت الحادثة بسرعة إلى مادة سياسية، ثم إلى منصة جاهزة لإعادة إنتاج الخطاب نفسه: كل طريق، ولو بدأ من بوسطن، يمكن أن ينتهي عند المغرب.

كان يمكن للرئيس الجزائري أن يكتفي برسالة إنسانية واضحة: الدولة تتابع وضعية الطفل، السفارة تقوم بواجبها، والقضاء الأمريكي هو المخول لتحديد المسؤوليات. تلك صيغة دولة رصينة، تحمي مواطنها دون أن تحرق مراحل التحقيق، وتنتصر للضحية دون أن تستبق العدالة، وتحترم سيادة البلد الذي وقع فيه الحادث. غير أن الخطاب، كما وصل إلى الرأي العام، لم يبق في حدود الطمأنة، بل بدا وكأنه جزء من هندسة سياسية أوسع تجعل من كل مناسبة مادة قابلة للتعبئة ضد المغرب.

هنا تظهر المفارقة. حين يتعلق الأمر بمواطن جزائري في الخارج، تستيقظ الدولة بكل أجهزتها، من الرئاسة إلى السفارة إلى وزارة الرياضة. وحين يتعلق الأمر بأزمات الداخل، من الحريات إلى الاقتصاد إلى الاحتقان الاجتماعي، يصبح الصمت أكثر حضوراً من الفعل. لا أحد يطلب من أي رئيس أن يتخلى عن مواطنيه، لكن من حق الرأي العام أن يسأل: هل حماية المواطن قيمة ثابتة، أم تتحول إلى أولوية فقط عندما تسمح بإنتاج خصومة سياسية مع الجار الغربي؟

المثير في التصريح ليس فقط موضوعه، بل توقيته ونبرته. رئيس دولة يفترض أن يزن كلماته بميزان المؤسسة، لا بميزان الترند. فالوقائع التي تولد داخل مواقع التواصل تحتاج إلى تحقيق، لا إلى تعظيم سياسي. والطفل، أي طفل، لا ينبغي أن يتحول إلى عنوان في معركة بروباغندا. التضامن معه واجب، ومحاسبة المعتدين، متى ثبتت هويتهم، واجب أيضاً. لكن الأخطر هو أن تتحول البراءة إلى وقود في خطاب رسمي يبحث عن خصم أكثر مما يبحث عن حقيقة.

الفرق كبير بين دبلوماسية تحمي مواطناً، ودبلوماسية تستثمر في حادثه. الأولى تشتغل بهدوء، تراسل، تتابع، توفر المحامين، وتترك العدالة تقول كلمتها. الثانية تصنع من الواقعة قصة وطنية مفتوحة، ترفعها إلى مستوى الرئاسة، وتدفع بها نحو الشاشات والمنابر، ثم تترك الانطباع بأن المعركة ليست من أجل الطفل وحده، بل من أجل تثبيت سردية سياسية جاهزة مسبقاً.

بهذا المعنى، لا يبدو أن المغرب كان حاضراً في الواقعة بقدر ما كان حاضراً في خيال الخطاب الرسمي الجزائري. فكلما ظهر حدث قابل للتأويل، وُضعت عليه العدسة نفسها. وإذا كانت السياسة الخارجية للدول تُقاس بقدرتها على التهدئة والحكمة وحماية المصالح، فإن تحويل حادث قاصر في مدينة أمريكية إلى مناسبة لإعادة شحن التوتر لا يعكس قوة الدولة، بل يكشف هشاشة خطاب لا يستطيع أن يرى العالم إلا من ثقب الخصومة مع المغرب.

القضية الحقيقية ليست أن الجزائر تابعت وضعية طفل من أبنائها. هذا حقها وواجبها. القضية أن رئيس دولة اختار أن يمنح حادثاً غير محسوم قضائياً حمولة سياسية أكبر من حجمه، في وقت كان يمكن فيه ترك المسار القانوني يأخذ مجراه. فالدولة التي تثق في مؤسساتها لا تحتاج إلى تحويل كل ملف إلى منبر، والرئاسة التي تدرك قيمة كلمتها لا تتصرف كأنها صفحة تفاعلية تنتظر آخر فيديو متداول.

إن حماية الطفل وسيم تقتضي أولاً ألا يُستعمل اسمه في أي تصعيد مجاني. وتقتضي ثانياً أن تُحترم الحقيقة كما ستحددها السلطات المختصة، لا كما تصنعها موجات الغضب الرقمي. أما تحويل القصة إلى فصل جديد من فصول الهجوم على المغرب، فليس دفاعاً عن الضحية بقدر ما هو دفاع عن خطاب سياسي مأزوم، يحتاج دائماً إلى عدو خارجي كي يشرح نفسه لجمهوره.

في النهاية، قد تكون الدولة قوية عندما تتابع مواطنيها في الخارج، لكنها تكون أكثر قوة عندما تعرف متى تصمت، ومتى تترك العدالة تتكلم، ومتى ترفض تحويل طفل مصاب إلى ورقة في لعبة سياسية. أما أن ينتظر رئيس دولة كل مناسبة، ولو كانت حادثاً في بوسطن، ليعيد طرق الباب المغربي، فذلك لا يصنع هيبة رئاسية، بل يكشف أن عقدة المغرب صارت أكبر من أن تخفيها لغة الدبلوماسية.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *