رصد المغرب/عبد المولى المروري
يبدو أن الزمن السياسي المغربي لم يتحرك في الاتجاه الصحيح منذ الإجهاز على حكومة عبد الله إبراهيم، وكأن التجارب السابقة لم تترك وراءها درسا واحدا للفرقاء السياسيين والحركيين.. وعاد انقسام الفاعلين إلى الواجهة الإعلامية كالمعتاد في كل محطة انتخابية، بين فريق يدعو إلى المشاركة باعتبارها الطريق الوحيد للإصلاح، وفريق يدعو إلى المقاطعة باعتبارها الموقف الأكثر انسجاما مع غياب شروط الديمقراطية.. فيتحول النقاش، في الغالب، إلى سجال حاد وغير منتج، حيث يدافع فيه كل طرف عن خياره، ويستحضر ما يراه من أدلة وحجج سياسية أو أخلاقية أو تاريخية لتأكيد صواب موقفه وخطأ خصمه.
غير أن هذا السجال، على امتداده الزمني، يسفر عن مفارقة تستحق التأمل؛ فكل طرف ظل، لعقود، يعيد إنتاج الحجج نفسها، ويكرر الأسئلة ذاتها، ويصل في كل مرة إلى النتائج عينها، دون أن ينجح في إقناع خصمه، أو في مراجعة جزء من تصوراته، أو في إنتاج مقاربة جديدة تتجاوز هذا الاستقطاب المزمن.
ولعل السبب في ذلك أن النقاش انطلق، منذ البداية، من سؤال سطحي وغير مكتمل: هل نشارك أم نقاطع؟ بينما كان السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يسبق ذلك هو: ما هي الوظيفة التي نريد أن تؤديها المشاركة أو المقاطعة في السياق السياسي المغربي؟ وما الشروط التي تجعل كل واحدة منهما قادرة على تحقيق أهدافها؟
وكما بينت في المقال السابق، فالسياسة لا تقاس بالوسائل، وإنما بالغايات التي تحققها.. حيث قد تكون الوسيلة نفسها ناجحة في سياق، وفاشلة في سياق آخر. والأداة التي صنعت الإصلاح في بلد ما قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة في بلد آخر في حالة وجود اختلاف في طبيعة الدولة، أو في بنية المجتمع، أو في الشروط، أو في موازين القوة.
ولذلك لا يمكن الحديث عن المشاركة بمعزل عن طبيعة النظام السياسي، ولا عن المقاطعة بمعزل عن طبيعة المجتمع، لأن الوسائل السياسية لا تعمل في الفراغ، وإنما تعمل داخل بيئة دستورية، وسياسية، وثقافية، واجتماعية متداخلة، وهي التي تحدد إلى حد بعيد حدود نجاحها أو إمكانات فشلها.
لقد لاحظت، خلال السنوات الأخيرة، أن جزءا مهما من النخب السياسية في المغرب قد وقع في اختزال السياسة في إحدى هاتين الوسيلتين: إما المشاركة الانتخابية، وإما المقاطعة الانتخابية.. ومع مرور الزمن، لم تعد كل واحدة منهما مجرد خيار سياسي قابل للمراجعة، بل تحولت عند بعض التنظيمات إلى جزء من هويتها، وأصبح دفاع كل تنظيم عن خياره أقرب إلى الدفاع عن الذات منه إلى الدفاع عن فكرة قابلة للنقد والتطوير والمراجعة حسب الأحوال والظروف.
وهذه الظاهرة ليست جديدة في علم الاجتماع السياسي.. فقد لاحظ عدد من الباحثين أن التنظيمات الكبرى تميل، مع مرور الزمن، إلى المحافظة على الوسائل التي نشأت عليها واستأنست بها، حتى وإن تغيرت الظروف التي أفرزتها.. فالوسيلة في هذه الحالة لا تبقى مجرد أداة لتحقيق غاية، بل تتحول تدريجيا إلى عنصر من عناصر الهوية التنظيمية التي يميزها (1)، وتتحول إلى محور وجودها وصمام أمان استمرارها.. فيصبح التراجع عنها أشبه بالتراجع عن المشروع وأقرب ما يكون إلى وأد الذات .
ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح داخل كثير من التنظيمات: هل ما تزال المشاركة قادرة على تحقيق أهدافها؟ وهل ما تزال المقاطعة قادرة على تحقيق أهدافها؟ بل أصبح السؤال الضمني: كيف ندافع عن الخيار الذي بنينا عليه تاريخنا التنظيمي وأضحى مبرر وجودنا وغاية استمرارنا؟ ومن هنا، في تقديري، بدأ الخلل الحقيقي.
فلا ينبغي أن يكون الولاء الأبدي للسياسة في الوسائل ذاتها، بل يجب أن تحافظ على وفاءها الدائم للغايات والمبادئ والقيم.. ومهما بلغت أهمية الوسائل، ينبغي أن تظل خاضعة للمراجعة والتقويم، لأنها وجدت لخدمة المشروع، وليس العكس.. كما لا يجب أن تتعارض هذه الوسائل مع الغايات أو مع القيم والمبادئ، ولا يجب أن تكون سببا في تعطيل المشروع أو الانحراف به عن غاياته.. فإذا كانت غاية المشروع هو الإصلاح فلا يجب أن تساهم الوسيلة في تكريس الفساد، وإذا كان هدف المشروع هو الحرية فلا يجب أن تبرر الوسيلةُ الاستبدادَ..
وأؤكد دائما أنني لا أحاول في هذا المقال، أو في أي مقال آخر، الانتصار للمشاركة على المقاطعة، ولا للمقاطعة على المشاركة، لأنني أعتبر أن كليهما مجرد وسيلة من وسائل الفعل السياسي، وليستا مشروعين سياسيين قائمين بذاتهما.. وإنما أحاول البحث في سؤال آخر، يبدو لي أكثر أهمية: ما هي الشروط التي تجعل المشاركة مؤثرة؟ وما هي الشروط التي تجعل المقاطعة ضاغطة؟ ولماذا أخفقت كل منهما إلى حدود اليوم، ولو بدرجات مختلفة، في تحقيق ما كانت تعد به أنصارها؟ وهل يكمن الخلل في الوسيلة نفسها، أم في البيئة السياسية التي تعمل داخلها؟ أم في المشروع الذي يفترض أن تقوده كل منهما؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي تجاوز السجال الانتخابي الضيق، والانتقال إلى مستوى أعمق من التفكير، ينظر إلى المشاركة والمقاطعة باعتبارهما جزءا بسيطا من منظومة أشمل للفعل السياسي، لا باعتبارهما المنظومة كلها.. لأن المجتمعات لا تبنى بصناديق الاقتراع وحدها، كما لا تتغير بالمقاطعة وحدها، وإنما تبنى حين تمتلك من القوة المجتمعية (2)، والوعي، والتنظيم، والاستقلال، ما يجعل كل وسيلة سياسية قادرة على أداء وظيفتها في خدمة الإصلاح، لا في خدمة إعادة إنتاج الواقع القائم.
ويكفي أن نتساءل بكل موضوعية ونزاهة فكرية، بالنسبة لكل المواطنيين الذين قرروا المشاركة في الانتخابات والذهاب لى صناديق الاقتراع، كم تبلغ نسبة الذين شاركوا من منطلق الإيمان أن الانتخابات ستساهم في الإصلاح؟ وما هي نسبة أولئك الذين صوتوا بالعاطفة لذلك الحزب أو لذلك المرشح؟ والأمر نفسه بالنسبة لأولئك الذين صوتوا مقابل المال؟
وفي الجهة المقابلة، بالنسبة لمن لم يشاركوا، كم تبلغ نسبة أولئك الذين قاطعوا استجابة لنداء المقاطعة؟ وما هي نسبة أولئك الذين عزفوا عن المشاركة يئسا من الانتخابات وما سيأتي بعدها؟ وما نقول عن نسبة أولئك الذين لا يهتمون لا بالسياسة ولا بالانتخابات؟
إن الأطروحة التي أدافع عنها في هذا المقال هي أن المشاركة والمقاطعة ليستا مشروعين سياسيين، بل وسيلتان من وسائل التدافع السياسي والمجتمعي المدني والسلمي، وأن إخفاقهما النسبي في المغرب لا يرجع في جوهره إلى فساد الوسيلتين أو ضعفهما أو عدم الجدوى منهما، وإنما في انفصالهما عن مشروع مجتمعي قادر على إعادة تشكيل ميزان القوة بين الدولة والمجتمع..
#أولاً: المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية… لماذا بدأ الخلط بين المفهومين؟ وكيف نميز بينهما؟
إذا كانت أولى خطوات التفكير السليم هي ضبط المفاهيم، فإن أول مظاهر الخلل في النقاش السياسي المغربي تكمن في الخلط بين المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية، حتى بدا وكأنهما شيء واحد، مع أن الثانية ليست إلا جزءا محدودا من الأولى.
فالمشاركة السياسية، في علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي، هي كل نشاط مشروع يقوم به الأفراد أو الجماعات من أجل التأثير في الشأن العام، أو في صناعة القرار، أو في توجيه الرأي العام، أو في الدفاع عن المصالح والقيم والحقوق.. وهي لذلك تشمل العمل الحزبي، والعمل النقابي، والعمل الحقوقي، والعمل الجمعوي، والإنتاج الفكري، والإعلام، والاحتجاج السلمي، والمبادرات المدنية، والعرائض، والحملات المجتمعية، والتربية على المواطنة، كما تشمل المشاركة في الانتخابات.
أما المشاركة الانتخابية، فهي مجرد آلية من آليات المشاركة السياسية، وليست المشاركة السياسية كلها.. إنها الوسيلة التي يختار بها المواطن ممثليه داخل المؤسسات المنتخبة، والوسيلة التي يناضل بها السياسي للدفاع عن برنامجه الانتخابي.. لكنها (الوسيلة) لا يجب أن تصل إلى ابتلاع السياسة، ولا إلى اختزال دور الشعب في التصويت، ولا إلى حصر عملية التغيير في صندوق الاقتراع.. أي لا يجب التضخيم من شأن المشاركة الانتخابية إلى درجة أن تصبح هي السياسة ولا سياسة غيرها..
وقد يبدو هذا التمييز، لأول وهلة، مجرد ترف أكاديمي، لكنه في الحقيقة يفسر جانبا مهما من الأزمة السياسية في المغرب.. فحين تختزل السياسة في الانتخابات، يصبح النشاط السياسي كله أو جله على الأقل مرتبطا بالمواعيد الانتخابية، وتتحول الأحزاب إلى آلات انتخابية موسمية، ويصبح نجاحها أو فشلها مرتبطا بعدد المقاعد أكثر من ارتباطه بما أحدثته من تغيير في المجتمع.
وفي المقابل، حين يختزل بعض المقاطعين السياسة في الامتناع عن التصويت، تصبح المقاطعة هي الأخرى موسمية، ترتبط بيوم الاقتراع أكثر مما ترتبط ببناء القوة المجتمعية القادرة على فرض الإصلاح.
وهكذا، يلتقي الطرفان – من حيث لا يشعران – في الخطأ نفسه؛ فكلاهما يختزل السياسة في الانتخابات، غير أن أحدهما يُحضِّر لها ويَحْضُر إليها، والآخر يحرِّض ضدها ولا يحْضُرها.. أحدهما يراهن عليها، والآخر يراهن على مقاطعتها..
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل: فلو توقفت الانتخابات في المغرب عشر سنوات مثلا، فهل ينبغي أن تتوقف السياسة معها؟ وهل تتوقف معركة الإصلاح لأن صناديق الاقتراع أُغلقت؟ هل تتوقف الأحزاب والجمعيات عن تأطير المواطنين ؟ وهل ينبغي أن تتوقف المنظمات الحقوقية عن الدفاع عن حقوق الإنسان؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فإن ذلك يعني أن السياسة أوسع من الانتخابات، وأن المشاركة السياسية أعمق وأشمل من المشاركة الانتخابية.
ولعل هذا ما يفسر أن كثيرا من التحولات الكبرى في تاريخ الأمم لم تبدأ من البرلمانات، وإنما بدأت من المجتمع.. بدأت من الجامعة، ومن الصحافة، ومن المدرسة، ومن النقابة، ومن الجمعيات، ومن الإنتاج الفكري والأدبي، ومن الشارع، ومن الحركات الاجتماعية، ومن الانتفاضات والثورات.. ثم وجدت طريقها بعد ذلك إلى المؤسسات.
إن البرلمان قد يشرع قانونا، لكن المجتمع هو الذي يصنع الثقافة التي تحمي ذلك القانون.. والحكومة قد تتخذ قرارا، لكن المجتمع هو الذي يمنحه الشرعية أو يسحبها منه.. والدستور قد يقرر حقوقا وحريات، لكن المجتمع هو الذي يحولها إلى ممارسة يومية أو يتركها حبرا على ورق عندما يصبح هذا المجتمع قوة مجتمعية.
ولهذا، فإن أول مراجعة تحتاجها النخب السياسية المغربية هي أن تعيد السياسة إلى معناها الواسع، وأن تتوقف عن اختزالها في محطة انتخابية عابرة، مهما بلغت أهميتها.. فالانتخابات ليست بداية السياسة، وليست نهايتها، وإنما هي إحدى لحظاتها فقط.. أما السياسة الحقيقية، فهي عملية مستمرة لا تتوقف بانتهاء فرز الأصوات، ولا تبدأ بإعلان النتائج.
ومن هنا، فإن تقييم المشاركة لا ينبغي أن يبدأ بعدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك، وإنما بالسؤال: ماذا قدم هذا الفاعل للمجتمع بين محطتين انتخابيتين؟ ماذا أضاف إلى وعي الناس؟ ماذا بنى من مؤسسات؟ كم راكم من ثقة؟ ماذا أنتج من أفكار؟ كم كوّن من نخب؟ وكم دافع أو حصن من قيم؟
وعندما نطرح هذه الأسئلة، ندرك أن الانتخابات ليست إلا اختبارا جزئيا لعمل سياسي يمتد سنوات، وأن المجتمع هو المجال الأول الذي تُقاس فيه قيمة الفاعل السياسي وليس البرلمان والمجالس الجماعية.
لكن إذا كانت المشاركة السياسية أوسع من المشاركة الانتخابية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الوظيفة الحقيقية للمشاركة داخل نظام سياسي لا تمتلك فيه المؤسسات المنتخبة جميع مفاتيح القرار؟ وهل يكفي الوصول إلى الحكومة حتى تعتبر المشاركة ناجحة؟ أم إن نجاحها يخضع لقوانين أخرى أكثر عمقا؟ وهذا ما سأحاول مناقشته في المحور التالي.. بالإجابة على السؤال: كيف نفكر في المشاركة والمقاطعة بالطريقة الصحيحة؟ وكيف نحقق ذلك؟
يتبع…
——————————————————
(1)حزب العدالة والتنمية عُرف بالمشاركة حتى أضحت هويته، وجماعة العدل والإحسان عرفت بالمقاطعة حتى أصبحت هويتها)
(2) أقصد بالقوة المجتمعية عندما يمتلك المجتمع من الوعي والتنظيم والاستقلال ما يجعله قوة قادرة على الدفاع عن مصالحه وحماية حقوقه، وإنتاج نخبه، ويؤهله للتأثير وفرض خياراته الشعبية بالتدافع المدني السلمي.. ولي عودة مفصلة لهذا الموضوع في مقال خاص
شارك المقال























Leave a Reply