منتخب جبر الخواطر..

رصد المغرب/عبدالرزاق سوماح باحث في الحركات الاسلامية 

بسم الله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
من لايري في مباريات كرة القدم إلا اللعب والفرجة فعلى بصره غشاوة، فانتصارات المنتخب المغربي بالواقع الملموس أثبتت أننا أمة قادرة على قلب موازين عديدة؛ وأنه بإمكاننا أن ننهض من كبوتنا؛ لأننا نملك إمكانيات وقدرات بشرية ومادية تفتقرها كثير من الشعوب؛ فالمنتخب الوطني لاعبين ومدرب ومؤطرين أرسلوا مجموعة من الرسائل والدروس لدول العالم كله وليس لدول العالم الثالث.

وممن التقط بعض هذه الرسائل صحفية بريطانية تدعى “بيكي أندرسون” حيث علقت بعد مقابلة المغرب مع هولندا قائلة: كانت الاحتفالات مذهلة، وكان لحضور العائلة أثر جميل بالطبع، وثمة لحظة واحدة أرى أنها تقول كل شيء عن هذا الفريق، اللاعبون يسجدون شكراً لله في أرضية الملعب، ليس احتفالاً فحسب، بل امتناناً وايماناً وهوية تتجلى للعالم.

فحين تأهل أسود الأطلس فقد حملوا معهم ليس افريقيا فقط بل الشرق الأوسط (اندونيسيا وماليزيا والصين ودول الخليج)، لذا أرى هذا الفريق لا يتقدم في البطولة فحسب بل يحمل معه سردية كاملة وقضية ثقافية بامتياز (قيم وأخلاقا) وأظنها ستزداد صداً من هنا.

ويقول الدكتور علي الصلابي على صفحته في الفايسبوك عن سجدة الشكر لمنتخب المغرب لكرة القدم: إن سجدة الشكر هذه ليست مجرد احتفال رياضي بل هي رسالة إيمان ووفاء قبل أن تكون مشهداً رياضياً.

ولعل هذه السجدة تكون سبباً في أن يتعرف بعض غير المسلمين على عظمة هذا الدين، حين يرون أن أول ما يفعله هؤلاء اللاعبون بعد الفوز سجدة الشكر، شكراً لله سبحانه وتعالى لا الغرور والتكبر.

سجدة تُعبر عن الاعتزاز والانتماء للإسلام، وتؤكد أن النجاح الحقيقي لا ينسى صاحبه فضل الله عليه بل يزيده تواضعاً وشكراً وامتناناً.

هذه الصورة المشرقة تُذَكر العالم بأن الإسلام دين شكر وقيم وأخلاق، وأن المسلم يربط كل نعمه بواهبها امتثالا لقوله تعالى: (ولئن شكرتم لأزيدنكم).

ومن هذه القيم الأخلاقية ما فعله حكيمي في الندوة الصحفية حين سمح للصحفي المكسيكي بطرح سؤاله باللغة الإسبانية التي يتقنها مخالفا للبروتكول. ثم موقف الحارس بونو مع الأطفال المكسيكيين الذين انتظروا المنتخب المغربي أمام مكان إقامته أكثر من أربع ساعات لأخد صور مع اللاعبين، وقد حققت أمنيتهم، الشيء الذي جعل السلطات المكسيكية تجعل يوم مباراة منتخبنا مع هولاندا يوم عطلة، ليتمكن المكسيكيون من حضور المقابلة بكثرة لتشجيع منتخبنا كما وعدت بذلك رئيسة المكسيك، كما أن العصابات المكسيكية جعلت ذلك اليوم يوم هدنة بينها، لتتمكن من حضور المقابلة في أمن وأمان.

وهاذان الموقفان رغم بساطتهما لكنهما أثرا كثيراً في عقول ونفوس كثير من جمهور العالم لن ينسوه أبداً لا سيما الشعب المكسيكي.

فالكون الذي نعيش فيه لم يُبْنى على الفوضى ولم يُتْرك للمصادفات، بل أقيم على قوانين ثابتة أودعها الله في الخلق، وجعلها تجري على الجميع دون استثناء. قال تعالى:( فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنه الله تحويلا).

إنها قاعدة قرآنية تؤسس لفهم عميق للحياة، فالله لا يحابي أحداً في قوانين الكون لأن عدله يقتضي أن تكون السنن واحدة وثابتة ومطردة. فالنار تحرق المؤمن كما تحرق الكافر. والجاذبية لا تسأل عن عقيدة من يقفز من شاهق.

والأرض لا تخرج زرعها لمن لا يُبْذر فيها بذرة، وهذا ليس نقصاً في الإيمان، بل كمال في العدل الإلهي. وقد شاء الله أن يجعل الدنيا ميدانا للأسباب، وأن يجعل النجاح ثمرة العمل والإتقان والعلم والصبر والانضباط.

فمن فهم هذه السنن واحترم قوانينها وأخذ بأسبابها نال ثمارها مهما كان دينه أو لغته أو لونه. أما الآخرة فهي ميدان الجزاء على الإيمان والعمل معاً لا على الأمنيات.

فانتظار المعجزات مع ترك الأسباب ليس توكلاً، بل استقالة من المسؤولية التي حَملها الله للإنسان، ولعل أخطر ما يصيب الأمم ليس الفقر ولا قله الموارد، بل ثقافة تُقنِعُ الإنسان بأن الهزيمة قَدَر، وأن التخلف فضيلة، وأن النجاح الدنيوي أمر ثانوي، بينما القران يدعو إلى أمة قوية عالمة عادلة مثقفة متقنة وشاهدة على الناس لا عالة عليهم.

فالله سبحانه لم يَعِدُنا بأن يغير قوانين الكون من أجلنا، وإنما وعدنا أن يبارك سعينا إذا صدقت نياتنا، واستقمنا على أمره وأحسننا الأخذ بالأسباب. فالسماء لا تُلغي السنن بل تهدي إليها، ولا تُبارِكُ الكسل بل تُبارِكُ الإتقان، ولا تصنع الحضارات بالأُمْنِيات، بل بالعقول التي تقرأ، والأيدي التي تعمل، والقلوب التي تُؤْمِن.

فاذا اجتمع الإيمان مع العلم، والتوكل مع السعي، والأخلاق مع الإتقان، ولدت الحضارة التي أرادها الله للإنسان.

أما من اكتفى بالدعاء وترك العمل ثم لام القدر على هزيمته، فقد أساء فهم الدين قبل أن يسيء فهم الدنيا، فالكون لا ينتصر لأحد بل ينتصر لسنن الله.

أن هذه الانتصارات الكروية ما هي إلا جزء من مسيرة متأنية ناجحة في ميادين متعددة داخل الوطن، فلنكن متفائلين، لأننا دولة عريقة متجذرة في التاريخ، عندنا ما نعطيه للعالم مادياً وروحياً وإنسانياً وثقافياً وعلمياً.

فلتكن ثقتنا بما نمتلكه من مؤهلات حافزاً ودافعاً لنشارك في هذه المسيرة المظفرة بإذن الله.

فنسال الله ان يديم على منتخبنا التوفيق وأن يجعله دائما خير سفير لوطنه وأمته ودينه وأخلاقه.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *