فاس تفتح بوابة المستقبل. الذكاء الإنساني يعانق الذكاء الاصطناعي في أولى خطوات المدينة الذكية

رصد المغرب / عبد العالي بريك


احتضنت القاعة الكبرى للمؤتمرات بمقر جماعة فاس، يوم الأربعاء 15 يوليوز 2026، يوما دراسيا خصص لبلورة استراتيجية المدينة الذكية لفاس تحت شعار: “الرؤية، التحديات وآفاق التنفيذ، مع استشراف فرص الذكاء الاصطناعي والابتكار”، وذلك بمشاركة خبراء وأكاديميين وممثلي مؤسسات وطنية ودولية ومنتخبين وأطر جماعة فاس وفعاليات من المجتمع المدني.

وشكل اللقاء مناسبة للتأكيد على أن بناء المدينة الذكية لا يقتصر على توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بل يبدأ من الذكاء الإنساني والاجتماعي والتاريخي الذي صنع مجد مدينة فاس عبر اثني عشر قرنا من الحضارة والعلم والصناعة والتجارة.

وأكد أحد الأساتذة الباحثين المتقاعدين في مادة التاريخ، خلال مداخلته، أن الذكاء الإنساني هو الأساس الذي قامت عليه الحضارات، وهو الذي مكن الإنسان من ابتكار مختلف العلوم والتقنيات، بما فيها الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن هذا الأخير ينبغي أن يبقى أداة في خدمة الإنسان وليس بديلا عنه.

وأضاف أن مدينة فاس تعد نموذجا فريدا لمدينة عرفت عبر تاريخها الطويل أشكالا متقدمة من التنظيم العمراني والهندسة المعمارية وتدبير الموارد المائية والصناعة التقليدية والتجارة، وهو ما يجعل تراثها الحضاري ركيزة أساسية لأي تصور مستقبلي للمدينة الذكية.

وفي تصريح صحفي لـ”رصد المغرب”، أكد عبد السلام البقالي، رئيس جماعة فاس، أن المدينة راكمت على امتداد اثني عشر قرنا رصيدا كبيرا من الذكاء الإنساني الذي تجسد في مختلف مناحي الحياة، مضيفا أن المرحلة الحالية تفرض الانفتاح على الذكاء الاصطناعي وربطه بالماضي والحاضر من أجل بناء مستقبل يواكب التحولات العالمية.

وأوضح أن هذه الاستراتيجية تشمل عدة مجالات، من بينها النقل الذكي، والطاقات المتجددة، والاقتصاد، والسياحة، والبيئة، والتحول الرقمي، مشيرا إلى أن هذا اليوم الدراسي عرف مشاركة خبراء من فرنسا وإيطاليا، إلى جانب جامعة سيدي محمد بن عبد الله، وجامعة الأورو-متوسطية، ومكاتب الدراسات، وممثلي المجتمع المدني والساكنة والمنتخبين وأطر الجماعة.

كما وجه رئيس الجماعة شكره إلى جميع المتدخلين، وعلى رأسهم منسق اللقاء الأستاذ أنس هدف، وإلى الأستاذ بنيس، وكذا الباحث الذي قدم عرضا حول الذكاء الحضاري للمدينة العتيقة، متناولا تاريخ شبكات المياه، والتنظيم الاقتصادي، والهندسة العمرانية التي ميزت فاس عبر العصور.

وأعلن البقالي، بالمناسبة، عن تنظيم لقاء آخر في نهاية السنة تحت عنوان “مدينة فاس الذكية” في نسخته الأولى، سيكون مناسبة لتقييم ما تحقق في مسار التحول الذكي واستشراف المشاريع المستقبلية.

من جانبه، أوضح أنس هدف، رئيس مصلحة الجماعة الطاقية للماء والكهرباء بمدينة فاس ومنسق اللقاء، في تصريح لـ”رصد المغرب”، أن مدينة فاس قطعت أشواطا مهمة في عدد من المجالات المرتبطة بالمدينة الذكية، من بينها النقل، والإنارة العمومية، والعمران، وكاميرات المراقبة، وتأهيل الشوارع، مؤكدا أن الهدف هو توحيد مختلف هذه المبادرات داخل استراتيجية شاملة تجعل من فاس نموذجا وطنيا في مجال المدن الذكية.

وشهد اللقاء كذلك نقاشا مفتوحا مع الحضور، حيث طرحت مجموعة من التساؤلات حول سبل تعميم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات وعدم حصرها في مجالات محدودة، وهو ما أجاب عنه المتدخلون بالتأكيد على أن الاستراتيجية ستعتمد مقاربة تشاركية وتدريجية تراعي خصوصية المدينة واحتياجات ساكنتها.

واختتم هذا اليوم الدراسي في أجواء طبعتها روح الحوار والتفاؤل، مع التأكيد على أن مستقبل فاس الذكي لن يبنى بالتكنولوجيا وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان، وصون الذاكرة التاريخية، وتوظيف الابتكار لخدمة التنمية المستدامة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *