سلسلة: فقه السنن الربانية(2)

رصد المغرب/

محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط 

السنن الربانية… ليست مواعظ بل قوانين للحياة

كلما قرأنا خبرًا عن انهيار دولة، أو صعود قوة جديدة، أو أزمة اقتصادية، أو تحولات اجتماعية متسارعة، يتجه التفكير غالبًا إلى البحث عن الأسباب المباشرة: قرار سياسي، أزمة مالية، صراع عسكري، أو تغير في موازين القوى، ورغم أهمية هذه التفسيرات، فإنها كثيرًا ما تبقى حبيسة ظاهر الأحداث، دون أن تنفذ إلى القوانين الأعمق التي تحكم حركة المجتمعات.

وهنا يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى مفهوم بالغ الأهمية، هو السُّنن الربانية؛فالقرآن لا يروي قصص الأمم السابقة لمجرد العظة أو التذكير، وإنما يكشف من خلالها عن قوانين ثابتة تحكم قيام الحضارات وسقوطها، وعزّ الأمم وذلّها، وقوتها وضعفها، ولذلك يقول تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾،فالمطلوب ليس مجرد السير في الأرض، بل التأمل في القوانين التي حكمت مصائر من سبقونا.

إن كلمة السُّنن في الخطاب القرآني لا تعني الأحداث العابرة، ولا الوقائع المنفصلة، وإنما تعني القوانين الإلهية المطردة التي تجري وفق حكمة الله وعدله، وترتبط بالأسباب والنتائج، فهي تشبه – من حيث المبدأ – القوانين التي تحكم الكون؛ فكما أن النار تحرق، والماء يروي، فإن للعدل والظلم، والعمل والكسل، والإصلاح والفساد، آثارًا وسننًا لا تتخلف متى تحققت أسبابها.

ومن هنا، فإن القرآن لا يدعونا إلى تفسير التاريخ بالأشخاص وحدهم، ولا بالمؤامرات وحدها، وإنما يدعونا إلى البحث عن السنن الكامنة وراء الأحداث، فقد يختلف الأشخاص، وتتغير الأزمنة، لكن السنن تبقى ثابتة؛ لأن مصدرها هو الله سبحانه وتعالى، القائل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.

ولعل من أبرز ما يميز السُّنن الربانية أنها لا تحابي أحدًا، فلا يمنح الله أمةً أسباب القوة لأنها تنتمي إلى دين أو عرق معين، كما لا يحرم أمةً أخرى من نتائج الأخذ بالأسباب لأنها تختلف عنها، فالسنن تجري على الجميع وفق ميزان العدل الإلهي، ومن أخذ بأسباب العلم، والإتقان، والتنظيم، والعدل، نال من ثمارها بقدر أخذه بها، ومن أهملها تحمل نتائج ذلك، أيًا كان انتماؤه.

وهنا تتجلى عظمة المنهج القرآني؛ إذ يربط بين الإيمان والعمل، وبين التوكل والأخذ بالأسباب، فلا مكان في هذا المنهج للاتكالية التي تنتظر النتائج دون بذل الجهد، ولا للمادية التي تجعل الأسباب مستقلة عن إرادة الله، بل إن الأسباب نفسها من سنن الله في خلقه، والعمل بها جزء من الامتثال لأمره.

إن إدراك هذه الحقيقة يغيّر طريقة قراءتنا لما يجري حولنا، فبدل أن نقف عند ظاهر الأحداث، نسأل: ما السنن التي تحكم هذا التحول؟ وما الأسباب التي أفضت إليه؟ وهل تتوافر اليوم مقدمات لنتائج مشابهة في أماكن أخرى؟ إنها أسئلة تنقلنا من التعليق على الوقائع إلى فهمها، ومن الانفعال بها إلى التعلم منها.

ولذلك فإن الحاجة إلى فقه السُّنن الربانية ليست مقتصرة على الباحثين في العلوم الشرعية، بل تمتد إلى كل من يتعامل مع الواقع: صانع القرار، والمربي، والإعلامي، والاقتصادي، وكل من يسعى إلى فهم حركة المجتمع واستشراف مستقبله، فالأمم التي تكتفي بوصف الأزمات تظل أسيرة لها، أما الأمم التي تبحث عن القوانين التي أنتجتها، فتكون أقدر على تجاوزها.

وليس المقصود بفقه السُّنن أن يقدم إجابات جاهزة لكل حدث، وإنما أن يعلّمنا منهجًا في التفكير؛ منهجًا ينظر إلى الوقائع في سياقها، ويربط الجزئيات بالكليات، ويوازن بين الأسباب الظاهرة والسنن الحاكمة، حتى يصبح فهمنا للواقع أكثر عمقًا واتزانًا.

ولعل من أهم ما يحتاج إليه عالمنا اليوم هو هذا التحول في طريقة التفكير، فوفرة الأخبار لا تعني بالضرورة وفرة الفهم، وكثرة التحليلات لا تعني دائمًا صحة القراءة، أما القرآن، فإنه يدعونا إلى قراءة تتجاوز ظاهر الأحداث إلى قوانينها، وتتجاوز اللحظة الراهنة إلى مآلاتها، وتربط بين الواقع والهداية الإلهية ربطًا يجعل من الإيمان قوةً لبناء الإنسان والمجتمع والحضارة.

إن السُّنن الربانية ليست صفحات من الماضي، ولا موضوعًا يقتصر على كتب التفسير، بل هي قوانين للحياة، من وعاها أحسن قراءة الحاضر، وكان أقدر على الإسهام في صناعة المستقبل.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *