رصد المغرب/
محمد بنعياد
باحث في سلك الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر
جامعة محمد الخامس – الرباط
في كل مرة يقع حدث كبير، سواء كان انتصارًا أو هزيمة، أزمةً اقتصادية أو تحولًا سياسيًا، ينشغل الناس بالبحث عن تفسير له. تتعدد التحليلات، وتتنافس الروايات، ويكثر الجدل، لكن قلَّما يُطرح سؤالٌ يبدو في غاية الأهمية: هل نقرأ الأحداث بالمنهج الذي أرشدنا إليه القرآن الكريم؟
إن من يقرأ القرآن بتدبر يلاحظ أنه لا يعرض تاريخ الأمم لمجرد سرد الوقائع أو إحياء الذكريات، وإنما يكشف عن القوانين التي تحكم حركة الإنسان والمجتمعات. فالقرآن لا يريد منا أن نحفظ قصص الأمم السابقة، بقدر ما يريد أن نتعلم كيف تتحرك السنن التي حكمت قيامها وسقوطها، وقوتها وضعفها، واستقرارها واضطرابها.
ولهذا جاءت آيات كثيرة تؤكد أن لله تعالى سننًا ثابتة في الكون والاجتماع والتاريخ، منها قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. إن هذه الآيات لا تدعو إلى النظر في الماضي بوصفه زمنًا انقضى، بل تدعونا إلى اكتشاف القوانين التي تتكرر كلما تكررت أسبابها.
ومع ذلك، فإننا كثيرًا ما نفسر ما يجري حولنا بمنطق اللحظة، أو بردود الأفعال، أو بالعاطفة، فنُرجع كل نجاح إلى المصادفة، وكل إخفاق إلى المؤامرة، وكل تحول إلى إرادة أشخاص بعينهم، بينما يغيب عن أذهاننا أن وراء الأحداث أسبابًا وسننًا لا تتخلف.
وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه فقه السُّنن الربانية؛ وهو ليس علمًا جديدًا منفصلًا عن علوم الشريعة، بل هو منهج في قراءة الواقع على ضوء الهداية القرآنية، يقوم على فهم القوانين الإلهية التي تحكم حركة الإنسان والمجتمع والدولة، وربط النتائج بأسبابها، واستحضار المآلات عند النظر في الوقائع.
إن هذا الفقه يعيد الاعتبار لمبدأ قرآني عظيم، وهو أن التغيير لا يبدأ من الخارج، وإنما من الداخل. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. إنها ليست مجرد دعوة أخلاقية، بل قاعدة حضارية تؤكد أن إصلاح الأفكار والقيم والسلوك هو المدخل إلى إصلاح المؤسسات والدول.
ومن هنا فإن النصر والهزيمة، والازدهار والتراجع، والتمكين والضعف، ليست نتائج معزولة عن أسبابها. فالأمم التي تبني الإنسان، وتحترم العلم، وتُحسن إدارة مواردها، وتلتزم بقيم العدل والإتقان، تكون أقرب إلى أسباب القوة. أما حين تُهمل هذه الأسباب، فإنها تعرض نفسها لسنن التراجع، مهما امتلكت من إمكانات.
ولا يعني ذلك أن قراءة السنن تمكن الإنسان من معرفة الغيب، فالغيب لله وحده، وإنما تعينه على فهم الاتجاهات العامة للأحداث في ضوء الأسباب القائمة. فالقرآن يدعونا إلى التفكير، وإلى الاعتبار، وإلى النظر في العواقب، لا إلى انتظار الأحداث حتى تقع ثم نبحث لها عن تفسير.
إن عالمنا اليوم يعيش تحولات متسارعة، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والثقافة، ولم يعد كافيًا أن نقرأ الأخبار، أو نتابع الوقائع يومًا بيوم. نحن في حاجة إلى عقل يربط بين الجزئيات والكليات، وبين الأسباب والنتائج، وبين الحاضر والمستقبل. وهذا هو العقل السُّنني الذي يسعى القرآن إلى بنائه.
ولذلك فإن فقه السُّنن الربانية ليس ترفًا فكريًا، ولا موضوعًا يخص الباحثين وحدهم، بل هو حاجة لكل من يريد أن يفهم الواقع فهمًا أعمق، وأن يشارك في إصلاحه على بصيرة. فالأمم لا تصنع مستقبلها بردود الأفعال، وإنما بصناعة الأسباب التي تقود إلى النتائج.
إننا بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة الانفعال إلى ثقافة الفهم، ومن تفسير الأحداث بعد وقوعها إلى الاستعداد لها قبل وقوعها، ومن الاقتصار على متابعة الوقائع إلى البحث عن السنن التي تحكمها. وهذا ما يجعل القرآن كتاب هداية للحياة، كما هو كتاب هداية للإيمان والعبادة.
ولعل إعادة الاعتبار لفقه السُّنن الربانية تمثل خطوة في هذا الاتجاه؛ لأنها تفتح أمامنا بابًا لقراءة الواقع قراءة واعية، تجمع بين الإيمان بالله، والأخذ بالأسباب، واستحضار المسؤولية، والثقة بأن التغيير يبدأ من الإنسان، ثم يمتد إلى المجتمع، فالدولة، فالحضارة.
إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من القرآن في هذا الباب هو أن السنن لا تحابي أحدًا، وأن من أخذ بأسباب العمران نال من ثمراتها بقدر أخذه بها، ومن أهملها تحمل نتائج ذلك. وهذه الحقيقة تمنحنا الأمل بقدر ما تحملنا المسؤولية، وتدعونا إلى أن نكون شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرجين على أحداثه.
شارك المقال























Leave a Reply