رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
تعتبر قضية الأطفال المغاربة العالقين في بؤر التوتر، لا سيما في سوريا والعراق، من القضايا الإنسانية والحقوقية الشائكة التي تفرض تحديات متعددة الأبعاد على المملكة المغربية. فبينما يواجه هؤلاء الأطفال، الذين غالبا ما يكونون ضحايا لظروف لم يختاروها، مصيرا مجهولا في مخيمات وسجون تديرها القوات الكردية، يبرز تقرير المهمة الاستطلاعية البرلمانية لعام 2021 كوثيقة تشخيصية مهمة لهذه الأزمة . ومع ذلك، فإن قراءة متأنية لتوصيات هذا التقرير تكشف عن تعثر واضح في التنفيذ، خاصة فيما يتعلق بملف الأطفال، الفئة الأكثر هشاشة والأولى بالحماية والرعاية. يهدف هذا البحث إلى تحليل أسباب هذا التعثر، مع التركيز على غياب آلية مؤسساتية فعالة لمتابعة تنفيذ التوصيات، وتقديم رؤية متكاملة لمعالجة هذا الملف من منظور حقوقي وإنساني وسياسي.
السياق والخلفية: أوضاع الأطفال المغاربة في بؤر التوتر
تشكل قضية الأطفال المغاربة العالقين في بؤر التوتر في سوريا والعراق أحد أكثر الملفات الإنسانية والاجتماعية تعقيدا، نظراً لما يحيط بها من أبعاد قانونية وأمنية ونفسية وحقوقية. وقد أولى تقرير المهمة الاستطلاعية البرلمانية حول الأطفال والنساء ببؤر التوتر اهتماما خاصا بهذه الفئة، انطلاقا من اعتبارها الضحية الأكثر هشاشة في سياق النزاعات المسلحة
يظهر التقرير أن الأطفال المغاربة في هذه المناطق لا يشكلون فئة متجانسة، بل ينتمون إلى أوضاع مختلفة تتطلب مقاربات متباينة. يمكن تصنيفهم إلى الفئات التالية:
الأطفال الأيتام: وهم الأطفال الذين سافروا إلى سوريا أو العراق رفقة آبائهم أو أمهاتهم قبل سنوات، ثم فقدوا أحد الوالدين أو كليهما نتيجة العمليات العسكرية أو ظروف الحرب، فأصبحوا أيتاما يعيشون داخل المخيمات أو السجون في أوضاع إنسانية قاسية.
أطفال النزاعات الأسرية: وهم الأطفال الذين اصطحبهم أحد الوالدين المغربيين إلى مناطق النزاع دون مشاركة الطرف الآخر، مما أدى إلى نشوء نزاعات أسرية وقانونية معقدة بعد مطالبة الآباء أو الأمهات الذين بقوا في المغرب باسترجاع أبنائهم.
أطفال ولدوا في مناطق النزاع: يمثل هؤلاء الأطفال تحديا خاصا يتعلق بإثبات الهوية والجنسية والحصول على الوثائق المدنية، خاصة في ظل انهيار مؤسسات الدولة في مناطق النزاع وفقدان كثير من الوثائق الرسمية .
تصف الظروف التي يعيشها هؤلاء الأطفال داخل مخيمات مثل مخيم الهول ومخيم الروج بأنها بالغة الصعوبة، حيث يعانون من نقص الخدمات الأساسية، وغياب الرعاية الصحية الكافية، وانتشار الأمراض، وسوء التغذية، إضافة إلى الحرمان من التعليم والاستقرار الأسري. وقد أدى استمرار الإقامة داخل هذه المخيمات إلى تعرض كثير من الأطفال لصدمات نفسية متكررة نتيجة مشاهدة أعمال العنف وفقدان الأقارب والعيش في بيئة يسودها الخوف وعدم اليقين. كما أن عددا منهم يعيش من دون وثائق رسمية تثبت هويته أو جنسيته، وهو ما يزيد من تعقيد وضعهم القانوني ويجعل مستقبلهم أكثر غموضا، فضلا عن تعرض بعضهم لمخاطر العنف والاستغلال داخل المخيمات نتيجة غياب الحماية الكافية .
وفقا للمعطيات التي قدمها وزير الداخلية، بلغ عدد الأطفال القاصرين الذين غادروا المغرب إلى بؤر التوتر 628 طفلا، بينما بقي نحو 400 طفل داخل مناطق النزاع وقت إعداد التقرير. وتفيد البيانات أيضا بأن 153 طفلا من هؤلاء ولدوا داخل المغرب قبل انتقالهم إلى مناطق الصراع، في حين ولد الباقون داخل سوريا أو العراق أو في دول أخرى، مما يعكس تعقيد الملف من الناحية القانونية والإدارية .
تقرير المهمة الاستطلاعية البرلمانية لعام 2021: النتائج والتوصيات
سعت المهمة الاستطلاعية إلى تكوين صورة دقيقة عن أوضاع الأطفال المغاربة، من خلال حصر أعدادهم والتعرف على أماكن وجودهم داخل المخيمات ومراكز الاحتجاز، ودراسة أوضاعهم الإنسانية والاجتماعية والقانونية. كما هدفت إلى استكشاف السبل الكفيلة بإعادتهم إلى المغرب في إطار يحترم الالتزامات الدولية للمملكة المتعلقة بحماية الطفل، مع التفكير في وضع برامج وطنية تضمن مواكبتهم بعد العودة، سواء على المستوى الصحي أو النفسي أو التعليمي أو الاجتماعي .
ركز التقرير على الجانب النفسي، مؤكدا أن الأطفال، ولا سيما الذين تتراوح أعمارهم بين اثنتي عشرة وست عشرة سنة، يمثلون الفئة الأكثر حاجة إلى برامج متخصصة لإعادة التأهيل، بالنظر إلى أن هذه المرحلة العمرية تعد من أكثر مراحل النمو حساسية من حيث تكوين الشخصية وبناء القيم. وشدد على ضرورة توفير مواكبة نفسية متخصصة يشرف عليها أطباء وأخصائيون في الصحة النفسية للأطفال، إلى جانب برامج تربوية وتعليمية وخطط اجتماعية تهدف إلى إعادة دمجهم تدريجيا .
من الجانب القانوني، أولت رئاسة النيابة العامة أهمية خاصة لوضعية الأطفال باعتبارهم ضحايا، مؤكدة على ضرورة التمييز الواضح بينهم وبين المقاتلين البالغين، وعدم إخضاعهم تلقائيا للمساءلة الجنائية، إلا إذا ثبتت مشاركتهم الفعلية في أعمال قتالية. كما دعت إلى اعتماد برامج متخصصة للتأهيل وإعادة الإدماج تتناسب مع سن الطفل ومستوى نضجه .
أوصى التقرير البرلماني بـ:
1إصدار قوانين إطار وقوانين تضع الإطار التشريعي لمعالجة الأوضاع الخاصة والاستثنائية التي يوجد فيها الأطفال والنساء المغاربة العالقون في بؤر التوتر، من أجل تسهيل عملية إرجاعهم بشكل سريع .
2العمل في أقرب وقت من أجل التوقيع على مشاريع اتفاقيات التعاون القضائي والقانوني بين المملكة المغربية والجمهورية العراقية لتسهيل عملية نقل الأشخاص المحكوم عليهم بين البلدين، وحث على إعمال مضمون اتفاقية نقل الأشخاص المحكوم عليهم الموقعة بين المغرب وسوريا في أبريل 2006 .
3توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنساء العالقين في بؤر التوتر في سوريا والعراق
4إنشاء جسور التواصل بين الأطفال والنساء العالقين في بؤر التوتر بسوريا والعراق وعائلاتهم وأقاربهم وأصدقائهم بالمغرب .
تحديات التنفيذ والفراغ المؤسساتي
رغم أهمية التقرير والتوصيات الصادرة عنه في عام 2021، فإن الواقع يشير إلى تعثر كبير في تنفيذها، خاصة فيما يتعلق بملف الأطفال. يكمن أحد أبرز أوجه القصور في عدم إقرار آلية مؤسساتية لمتابعة تنفيذ التوصيات، كإحداث لجنة دائمة أو هيئة للتتبع والتقييم. هذا الفراغ المؤسساتي جعل التقرير ينتهي عمليا عند حدود التشخيص، بينما بقي مئات الأطفال يواجهون مصيرا مجهولا .
يثير هذا الصمت وعدم المتابعة تساؤلات جدية حول فعالية العمل البرلماني وحدود المسؤولية تجاه فئة لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها. إن عدم تحويل التوصيات البرلمانية الرسمية إلى سياسات وإجراءات ملموسة، بينما تستمر معاناة أطفال يفترض أن تحظى حقوقهم بالحماية بموجب الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، يمثل إشكالا أخلاقيا وسياسيا عميقا.
تتفاقم هذه التحديات في ظل التطورات الأخيرة في مخيمات الاحتجاز. ففي فبراير 2026، أعلنت الحكومة السورية عن إغلاق مخيم الهول، مما أدى إلى مغادرة معظم المقيمين بشكل غير منظم وفوضوي، وتعريض النساء والأطفال لمخاطر جسيمة . هذا الوضع يؤكد الحاجة الملحة لآليات متابعة سريعة وفعالة لضمان حماية هؤلاء الأطفال.
الممارسات الدولية الفضلى والدروس المستفادة
أظهرت التجارب الدولية أن إعادة تأهيل وإدماج الأطفال العائدين من مناطق النزاع يتطلب مقاربة شاملة ومتعددة الأوجه، مدعومة بآليات مؤسساتية قوية. وقد قدمت منظمات مثل اليونيسف وهيومن رايتس ووتش توصيات وممارسات فضلى في هذا الصدد .
من أبرز الممارسات الدولية التي يمكن الاستفادة منها:
1الآليات المؤسساتية المخصصة: إنشاء هيئات أو لجان وطنية دائمة تكون مهمتها الأساسية متابعة ملف العائدين، وتنسيق الجهود بين مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية (الخارجية، الداخلية، العدل، الصحة، التعليم، الشؤون الاجتماعية) والمجتمع المدني . يجب أن تتمتع هذه الهيئات بصلاحيات واضحة وموارد كافية لضمان تنفيذ التوصيات ومراقبة التقدم المحرز.
2التعاون الدولي: تعزيز التعاون مع الدول التي لديها رعايا في نفس المخيمات والمنظمات الدولية ذات الصلة (الأمم المتحدة، اللجنة الدولية للصليب الأحمر) لتسهيل عمليات الإعادة الآمنة والمنظمة .
3برامج إعادة التأهيل والإدماج الشاملة: تطوير برامج فردية ومخصصة لكل طفل، تأخذ في الاعتبار عمره، جنسه، مستوى تعرضه للعنف، وحاجاته النفسية والتعليمية والاجتماعية. يجب أن تشمل هذه البرامج الدعم النفسي والاجتماعي المكثف، والتعليم العلاجي، والتأهيل المهني، وإعادة الاندماج الأسري والمجتمعي .
4الإطار القانوني الواضح: سن تشريعات وطنية واضحة تتماشى مع القانون الدولي لحقوق الطفل، وتوفر الحماية القانونية للأطفال العائدين، وتحدد إجراءات إثبات الهوية والجنسية، وتضمن عدم المساءلة الجنائية للأطفال.
5إزالة الوصمة الاجتماعية: العمل على حملات توعية مجتمعية لإزالة الوصمة عن الأطفال العائدين وعائلاتهم، وتعزيز قبولهم واندماجهم في المجتمع .
التوصيات
بناء على التحليل السابق، ولتجاوز حالة التعثر في تنفيذ توصيات المهمة الاستطلاعية البرلمانية ومعالجة الفراغ المؤسساتي، تقترح التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين و المعتقلين في سوريا و العراق تبني التوصيات التالية:
1.إحداث هيئة وطنية دائمة لمتابعة ملف الأطفال العائدين: يجب أن تكون هذه الهيئة ذات صلاحيات واسعة، وتضم ممثلين عن جميع القطاعات الحكومية المعنية، والمؤسسات الحقوقية، والمجتمع المدني، والخبراء المتخصصين. وتكون مهمتها الأساسية وضع خطة عمل وطنية شاملة، وتنسيق الجهود، ومراقبة التنفيذ، وتقديم تقارير دورية للبرلمان والرأي العام.
2.تطوير إطار قانوني وطني شامل: يتضمن هذا الإطار قوانين وإجراءات واضحة لعمليات الإعادة، وإثبات الهوية والجنسية، وتوفير الحماية القانونية للأطفال، ومعايير المساءلة الجنائية التي تتماشى مع القانون الدولي لحقوق الطفل.
3.تخصيص ميزانية كافية وبرامج دعم متكاملة: يجب تخصيص الموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذ برامج إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والتعليمي والصحي للأطفال العائدين، مع التركيز على الدعم طويل الأمد.
4.تعزيز الدبلوماسية الإنسانية والقضائية: تكثيف الجهود الدبلوماسية مع الدول المعنية والمنظمات الدولية لتسهيل عودة الأطفال، وتوقيع اتفاقيات تعاون قضائي لتبادل المعلومات وتسهيل الإجراءات.
5.إشراك المجتمع المدني والأسر: تفعيل دور منظمات المجتمع المدني والأسر في عمليات الدعم والمواكبة، والاستفادة من خبراتهم في بناء جسور التواصل وإعادة الاندماج.
6.حملات توعية وطنية: إطلاق حملات توعية موجهة للرأي العام والمجتمعات المحلية لتعزيز التضامن والقبول الاجتماعي للأطفال العائدين، ومكافحة الوصمة والتمييز.
الخاتمة
إن ملف الأطفال المغاربة العالقين في بؤر التوتر ليس مجرد قضية أمنية أو سياسية، بل هو في جوهره قضية إنسانية وحقوقية تتطلب استجابة عاجلة ومسؤولة. إن تعثر تنفيذ توصيات المهمة الاستطلاعية البرلمانية لعام 2021، وغياب آلية مؤسساتية للمتابعة، يضع مسؤولية أخلاقية وسياسية كبيرة على عاتق جميع الأطراف المعنية. إن تبني مقاربة شاملة، مدعومة بإرادة سياسية قوية وآليات مؤسساتية فعالة، هو السبيل الوحيد لإنهاء معاناة هؤلاء الأطفال وضمان حقهم في الحماية والكرامة وإعادة بناء مستقبلهم.
المراجع
.
[1] البرلمان يوصي بمعالجة أوضاع المغاربة في بؤر التوتر. (2021, يوليو 14). العرب.
[2] شمال شرق سوريا: الآلاف عالقون مع إغلاق مخيمَيْ الاحتجاز. (2026, فبراير 23). هيومن رايتس ووتش.
[3] Repatriation and reintegration of children affected by conflict in Syria and Iraq to Central Asia. (2023, يونيو 12). UNICEF.
شارك المقال























Leave a Reply