هل تعيد مدريد حساباتها أم تناور دبلوماسيا؟

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي /


في السياسة، لا تقاس التحركات بالنوايا المعلنة، بل بما تعكسه من رسائل وما تتركه من آثار على موازين القوى. ومن هذا المنطلق، تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر أهمية تتجاوز بعدها الاقتصادي، لتطرح تساؤلات حول مستقبل السياسة الإسبانية في منطقة المغرب العربي، وحدود قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين الرباط والجزائر.

فمنذ أن قررت مدريد، في مارس 2022، دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية قضية الصحراء، دخلت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة جديدة، طوت سنوات من التوتر وفتحت آفاقا غير مسبوقة للتعاون في مجالات الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة. وقد أثبت هذا التقارب، خلال السنوات الماضية، أنه يخدم المصالح الاستراتيجية للطرفين، بل ويساهم في استقرار الضفة الغربية للبحر الأبيض المتوسط.

غير أن المشهد الإقليمي لم يبق ثابتا. حيث الأزمة الطاقية التي شهدتها أوروبا أعادت للجزائر جزءا من أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للعواصم الأوروبية، فيما واصل المغرب ترسيخ مكانته كشريك موثوق للولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية، مع تسارع وتيرة تحديث قواته المسلحة وتعزيز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في إفريقيا.

وسط هذه التحولات، تبدو مدريد وكأنها تحاول استعادة هامش للمناورة. فمن جهة، تسعى إلى الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي توفرها الجزائر، ومن جهة أخرى تحرص على عدم التفريط في المكاسب التي حققتها شراكتها مع الرباط. إنها سياسة توازن، وعلى ما يبدو نظريا ممكنة، لكنها تصطدم بواقع سياسي معقد، إذ إن العلاقات الجزائرية مع شركائها كثيرا ما تتأثر بمواقفهم من المغرب وقضية الصحراء، وهو ما يجعل هامش الحركة الإسباني أكثر ضيقا.

وتذهب بعض التحليلات إلى أن هذه الدينامية تتغذى أيضا بعوامل داخلية إسبانية، حيث تخضع السياسة الخارجية أحيانا لضغوط التجاذبات الحزبية والاستقطاب السياسي. وفي هذا السياق، قد تجد حكومة سانشيز نفسها مطالبة بإظهار قدر من الاستقلالية في قراراتها الخارجية، في ظل احتدام المنافسة السياسية الداخلية واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وفي المقابل، يراقب المغرب هذه التطورات من موقع مختلف. فالمملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة من الشراكات الدولية، وعززت حضورها الإقليمي والدولي، كما واصلت تحديث قدراتها الدفاعية وتوسيع تعاونها العسكري مع حلفائها. وفي هذا الإطار، راجت في الآونة الأخيرة تكهنات إعلامية بشأن احتمال تعزيز التعاون العسكري الأمريكي مع المغرب أو إعادة تموضع بعض القدرات العسكرية في المنطقة، إلا أن هذه السيناريوهات لم تؤكدها أي قرارات رسمية حتى الآن.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بزيارة سانشيز إلى الجزائر في حد ذاتها، بل بمدى قدرة إسبانيا على الحفاظ على مصداقية التزاماتها تجاه المغرب. فالعلاقات بين الدول لا تبنى على التصريحات وحدها، بل على استمرارية المواقف، واحترام التعهدات، ووضوح الرؤية الاستراتيجية.

إن أي محاولة لإرضاء الجزائر على حساب الشراكة مع المغرب قد تحمل مخاطر سياسية واستراتيجية لا تقل عن المكاسب الاقتصادية المرجوة. وفي المقابل، فإن تجاهل أهمية الجزائر بالنسبة لإسبانيا لا يبدو خيارا واقعيا أيضا. ولهذا تجد مدريد نفسها أمام معادلة دقيقة تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والاتساق في إدارة علاقاتها مع الجارين المغاربيين.

ويبقى الثابت أن المغرب لم يعد ذلك الشريك الذي يمكن التعامل معه بمنطق ردود الفعل الظرفية، بل أصبح فاعلا إقليميا مؤثرا، يمتلك أوراق قوة سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، ويحظى بشبكة متنامية من التحالفات الدولية. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية سيظل مرهونا بقدرة مدريد على ترجمة خطابها السياسي إلى مواقف عملية، تحافظ على الثقة التي بنيت خلال السنوات الأخيرة، وتؤكد أن الشراكة الاستراتيجية ليست ورقة ظرفية، بل خيارا طويل الأمد يخدم استقرار وازدهار المنطقة بأسرها.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *