هل ما نراه في الحرب على إيران  هو كل الحقيقة؟

رصد المغرب / عبد الكبير بلفساحي /


كلما اشتدت المواجهة مع إيران، تتجه الأنظار تلقائيا إلى العناوين المعروفة، “البرنامج النووي، أمن إسرائيل، النفوذ الإيراني في المنطقة، والعقوبات الاقتصادية”. هذه الملفات تتصدر نشرات الأخبار، وتبدو للوهلة الأولى تفسيرا كافيا لما يجري. لكن هل تكفي هذه العناوين لفهم حقيقة الصراع؟ أم أنها تمثل فقط الجزء الأكثر وضوحا من مشهد أكثر تعقيدا؟

من الصعب الاعتقاد أن أزمة بهذا الحجم، تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية والتحالفات الدولية، يمكن تفسيرها بسبب واحد أو حتى بمجموعة محدودة من الأسباب. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تخاض عادة لدافع واحد، بل تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، والطموحات السياسية، والصراع على النفوذ.

ومن هنا، يبرز طرح يرى أن المواجهة مع إيران لا يمكن فصلها عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث العالم يعيش مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، تتنافس فيها الدول الكبرى على النفوذ الاقتصادي، والسيطرة على الممرات التجارية، وضمان أمن الطاقة، وبناء تحالفات جديدة. وفي قلب هذه المعادلة يقف الشرق الأوسط باعتباره أحد أكثر الأقاليم تأثيرا في مستقبل الاقتصاد والسياسة العالميين.

وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تبنت رؤية تتجاوز إدارة الأزمات التقليدية، وسعت إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بما يخدم شبكة جديدة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، حيث يشار في هذا الإطار إلى أدوار شخصيات مقربة من ترامب، مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في ملفات الاستثمار والتطبيع وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، باعتبارها جزءا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل المشهد في الشرق الأوسط.

وبناء على هذا التصور، فإن الضغوط على إيران لا تقرأ فقط باعتبارها محاولة لوقف برنامجها النووي أو احتواء نفوذها الإقليمي، بل أيضا كجزء من عملية أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. وهذا لا يعني أن الملف النووي أو الاعتبارات الأمنية غير مهمة، بل يعني أنها قد تكون جزءا من منظومة أكبر تتداخل فيها اعتبارات الاقتصاد والطاقة والتجارة والنفوذ الدولي.

وفي المقابل، يجادل باحثون آخرون بأن هذه القراءة قد تبالغ في ربط مختلف التطورات بمشروع واحد متكامل، وأن سياسات الدول غالبا ما تكون نتاج تفاعل معقد بين اعتبارات الأمن القومي، والسياسة الداخلية، والتحالفات، والظروف المتغيرة، وليس بالضرورة وفق خطة موحدة بعيدة المدى. ولهذا فإن أي تحليل متوازن ينبغي أن يترك مساحة لاحتمال تعدد الدوافع، لا أن يحصرها في تفسير واحد.

وربما يكون السؤال الأهم، هو ليس من على حق؟ بل هل نكتفي بالروايات التي تقدمها العناوين اليومية، أم نحاول قراءة الصورة بأبعادها المختلفة؟ فالأحداث الكبرى لا تفهم من خلال التصريحات الرسمية وحدها، كما لا تفسر بالاقتصاد وحده أو بالأمن وحده، بل هي نتاج شبكة معقدة من المصالح المتشابكة.

وفي النهاية، قد لا تكون الحرب على إيران مجرد مواجهة حول تخصيب اليورانيوم أو النفوذ الإقليمي، كما قد لا تكون مجرد حلقة في مشروع عالمي لإعادة تشكيل النظام الدولي. لكن المؤكد أن اختزالها في سبب واحد يظل قراءة ناقصة، وهو كلما تعاظمت المصالح، ازدادت تعقيدات الصراع، وأصبحت الحقيقة موزعة بين ما يعلن للرأي العام وما يبقى رهين غرف القرار المغلقة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *