مراسلة الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بسطات تثير انتقادات بشأن استقلال القضاء وحق الدفاع

رصد المغرب / رشيد أيت بلعربي (محام بهيئة الرباط) /


النيابة العامة التي ظلت لسنوات تتفرج على ذبح شروط المحاكمة العادلة في زمن كورونا ، تحاول الضغط على القضاء للبت في الملفات في غياب الدفاع.

من يقرأ الكتاب الذي وجهه السيد الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بسطات إلى الرئيس الأول لنفس المحكمة بعنوان “حول شلل إجرائي” و الذي تناول فيه واقع تأخير الملفات الجنائية التي تروج أمام غرفة الجنايات بسبب غياب المحامين ، سيتبادر إلى ذهنه أكثر من سؤال حول حدود علاقة النيابة العامة بقضاء الموضوع.

و هكذا فإنه بالاطلاع على هذا الكتاب فإن أول ملاحظة تهم الشكل و صفة المخاطب . فالسيد الوكيل العام للملك اختار وسيلة غير قانونية و خاطب جهة غير مختصة لتناول هذا الموضوع. فالملفات الجنائية تروج أمام غرفتي الجنايات الابتدائية و الاستئنافية. و هما غرفتين تتشكل أولاهما من ثلاث قضاة و ثانيتهما من خمس قضاة. و هؤلاء القضاة هم وحدهم من يملك سلطة التقرير في الملفات سواء من الناحية الإجرائية بتأخير الملفات لإعداد الدفاع ، استدعاء الشهود، إجراء الخبرات ، البت في جاهزية الملف…..أو من الناحية الموضوعية عبر إصدار الأحكام في استقلال تام عن الرئيس الأول و الوكيل العام للملك و غيرهم. و لهذا فإن أي ملتمس بشأن القضايا التي تروج أمام الغرفتين سواء تعلق بالجانب الإجرائي أو الموضوعي ، يتعين على النيابة العامة أن توجهه للهيئة القضائية لكل غرفة سواء عبر وضع ملتمساتها في الملفات او تقديمها خلال انعقاد الجلسة التي يروج فيها الملف. أما تقديم كتاب بتلك المعطيات الواردة فيه و توجيهه إلى السيد الرئيس الأول للمحكمة، فإن ذلك يشكل عيبا واضحا في الشكل و في الجهة المخاطبة.

أما من حيث مضمون الكتاب ، فإن الأمر جلل. فالسيد الوكيل العام للملك من خلال كتابه خرج عن المألوف في علاقته سواء مع قضاء الموضوع أو مع هيئة الدفاع و وجه ضربة لثلاث مؤسسات في وقت واحد. الضربة الأولى وجهها للقانون ، و أراد من خلال الطريقة التي تناول بها الموضوع أن يحل محل المشرع ليس لتفسير نص تشريعي غامض أو قابل للتأويل، بل لتجاوز هذا النص و ذلك من خلال حته بشكل ضمني على تجهيز الملفات الجنائية دون دفاع في خرق واضح للمادة 316 من قانون المسطرة الجنائية و المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و للفصل 120 من الدستور. و هي التي تؤكد على مكانة و ضرورة احترام حق الدفاع سواء في كل القضايا بشكل عام أو في الجنايات بشكل خاص.

أما الضربة الثانية فوجهها السيد الوكيل العام المحترم و دون تردد للمحامين من خلال تقديم توصيفات خاطئة لتوقفهم عن العمل عندما تحدث عن الامتناع الجماعي و المستمر عن مؤازرة المتهمين. و هو أمر فيه تضليل خطير للرأي العام. فالمحامون لم يصدر عنهم أي فعل أو قول يؤكد هذا الأمر. فالامتناع يستلزم أن يكون المحامي حاضرا في الجلسة و تتم المناداة عليه من طرف الهيئة القضائية في ملف يؤازر فيه أحد المتهمين فيمتنع عن الاستجابة أو يتم تعيينه في إطار المساعدة القضائية فيمتنع عن القيام بها. هذا من جهة.

 و من جهة أخرى فالمحامي لم يكن عبر التاريخ ساعيا وراء عرقلة سير العدالة ، بل إن دوره دائما كان و سيظل مساهما في الدفع نحو تحقيق العدالة و الارتقاء بها لأنه رسالته تفرض عليه ذلك. و لكن لأن المحامين يرون أن مشروع قانون المحاماة أراد أن يخسف بهم و يخسف بدورهم هذا تجاه العدالة ، فإنهم اختاروا هذه الطريقة لإيصال صوتهم إلى حكومة أصبحت تعتبر العدالة ككل مجرد عبء إضافي يكلف خزينة الدولة بعض الدراهم. و هذا ما يتجلى بوضوح في طريقة تعاطي هاته الحكومة مع مطالبهم منذ أكثر من 8 أشهر و عدم اكتراثها بتأخير الملفات حتى لو استغرق الأمر سنوات.

أما الضربة الثالثة فهي الأقوى و الأخطر و هي التي تم توجيهها للقضاء من خلال الإيحاء بأنه يتحمل مسؤلية عدم البت في الملفات الجنائية و أيضا من خلال محاولة النيل من استقلاليته. فالكتاب يتحدث بوضوح على أن استمرار اعتقال المتهمين دون البت في قضاياهم سيجعل هذا الاعتقال تعسفيا من وجهة نظر السيد الوكيل العام. و على القضاء أن يتحمل مسؤوليته لإيجاد مخرج. و المخرج طبعا لن يكون إلا عبر البت في الملفات الجنائية دون محام في خرق سافر للقانون. و بمفهوم المخالفة فإن الهيئة القضائية التي تؤخر الملفات لغياب الدفاع في احترام للدستور و المواثيق الدولية و القانون المغربي ستصبح متهمة بالاعتقال التعسفي لمئات المعتقلين. و هذه منكر خطير.

أما الشق الثاني المتعلق بمحاولة النيل من استقلالية القضاء ، فيتمثل في محاولة إقناع الرئيس الأول و دعوته لاتخاذ ما يراه على ضوء ذلك. و هو ملتمس لا يحتمل إلا تفسيرا واحدا ألا و هو مطالبة الرئيس الأول بالتدخل لدى هيئتي غرفتي الجنايات الابتدائية و الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بسطات للبت في الملفات الجنائية و لو دون حضور محامين. و هذة خطيئة قانونية و حقوقية و دستورية لا تغتفر. فالمغاربة صوتوا على دستور يضمن استقلال السلطة القضائية و يمنع أي تدخل في القضايا المعروضة على القضاء و يعاقب كل من يحاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة و يلزم قضاة النيابة العامة بتطبيق القانون. فكيف لهؤلاء المغاربة أن يتقبلوا محاولة السيد الوكيل العام للملك التأثير على القضاء بطريقة غير مشروعة و لو كانت غير مقصودة و بحسن نية ؟ و هذا ما يتأكد بوضوح من خلال كتاب يتناول وضعية قضايا جنائية معروضة أمام قضاء الموضوع و يطالب الرئيس الأول بالتدخل للبت فيها عوض أن يقدم ملتمساته القانونية في الجلسة أو يضعها في الملفات بكتابة الضبط. و هو الكتاب الذي تم تسريبه للإعلام – للأسف- بطريقة مريبة لا تعرف دواعيها لكن الأكيد أنها سترخي بظلالها على القضاء و من شأنها أن تخلق له ضغطا غير مشروع للبت في الملفات في خرق للقانون مادام السيد الوكيل العام للملك ألقى بعبء المسؤولية على غرفتي الجنايات و تحدث عن الاعتقال التعسفي و غيره من الأمور التي لا دخل للقضاء فيها.

خلاصة القول ، فإننا نجد أنفسنا اليوم أمام خطوة غير مسبوقة في تعاطي النيابة العامة مع القضايا المعروضة أمام قضاء الموضوع، و هي النيابة العامة نفسها التي ابتلعت لسانها أمام خروقات فظيعة كتلك التي جرت زمن كورونا حيث المحاكمات عن بعد بالآلاف دون سند قانوني و أمام معدات صدئة الصوت جعلت التجاوب مع المتهمين في حالات كثيرة شبه مستحيل. و عوض أن تجتهد النيابة العامة في الدفع باحترام نصوص القانون ، نجدها تحت على خرقه.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *