بين 13 في المائة و 10.8 في المائة. هل يتحدث المغرب بلغة إحصائية واحدة؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي /


مرة أخرى يجد المواطن المغربي نفسه أمام رقمين مختلفين حول قضية واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع، ةهي إحصائيات البطالة. حيث بنك المغرب يتحدث عن معدل بلغ 13 في المائة، بينما أعلنت المندوبية السامية للتخطيط عن معدل في حدود 10.8 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026. وبين الرقمين، تظهر أسئلة أكبر من مجرد الفرق الحسابي، وهي من يملك الرقم الأدق؟ ولماذا لا تتحدث المؤسسات العمومية بلغة إحصائية موحدة؟ وهل نحن أمام اختلاف طبيعي في المنهجيات والفترات المرجعية؟ أم أن الأمر يكشف عن مشكلة أعمق في طريقة إنتاج وتدبير المعلومة الاقتصادية بالمغرب؟

فقبل الذهاب بعيدا في الاستنتاجات، لابد من تصحيح نقطة أساسية، وهي الرقم الذي أعلنته المندوبية السامية للتخطيط، برئاسة شكيب بنموسى، هو 10.8 في المائة وليس 9.5 في المائة، وذلك بالنسبة إلى الفصل الأول من سنة 2026. وقد بلغ عدد العاطلين، وفق تعريف البطالة بالمفهوم الضيق، حوالي مليون و253 ألف شخص، فيما وصلت البطالة في الوسط الحضري إلى 13.5 في المائة، مقابل 6.1 في المائة في الوسط القروي. كما بلغت البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة.

وفي المقابل، فإن نسبة 13 في المائة التي وردت في تقرير بنك المغرب ليست، بحسب المعطيات المنشورة، تقديرا جديدا للفصل الأول من 2026، وإنما تتعلق بسوق الشغل خلال سنة 2025. وقد أورد بنك المغرب هذه النسبة في تقريره السنوي عن السنة المالية 2025، وهو التقرير الذي قدمه والي البنك عبد اللطيف الجواهري إلى الملك.

إذن، من الناحية التقنية البحتة، لا يوجد بالضرورة تناقض بين الرقمين. فالمندوبية تتحدث عن الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 2026، بينما بنك المغرب يقدم قراءة للوضع خلال سنة 2025. كما أن الاختلاف في الفترة المرجعية كاف، من حيث المبدأ، لتفسير اختلاف الأرقام.

لكن المشكلة لا تنتهي هنا. حيث إذا كانت المؤسسات الرسمية تتوفر على أرقام مختلفة باختلاف الفترات والمناهج، فإن مسؤوليتها لا تقتصر على إعلان الرقم، وإنما تشمل أيضا شرح معناه وسياقه للرأي العام. لأن المواطن العادي لا يتعامل مع 13 في المائة و10.8 في المائة باعتبارهما سلسلتين إحصائيتين مستقلتين، وهو يسمع أن مؤسسة رسمية تقول إن البطالة 13 في المائة، ثم يسمع بعد فترة قصيرة أن مؤسسة رسمية أخرى تقول إنها 10.8 في المائة، فيطرح سؤالا بسيطا ومشروعا، وهو أي الرقمين يمثل واقع البطالة في المغرب؟

وهنا تحديدا تظهر أهمية التواصل الإحصائي. حيث الأرقام الاقتصادية ليست مجرد نسب تلقى في التصريحات والبلاغات. إنها أدوات لصناعة السياسات العمومية، وقياس نتائجها، ومساءلة المسؤولين عنها. وعندما يتعلق الأمر بالبطالة، فإن الأمر يصبح أكثر حساسية، لأن الرقم يرتبط مباشرة بواقع ملايين الأسر والشباب الذين يبحثون عن العمل.

بل إن الصورة تصبح أكثر تعقيدا عندما ننتقل من معدل البطالة بالمفهوم الضيق إلى المؤشرات الأوسع. فالمندوبية السامية للتخطيط أشارت إلى أن المعدل المركب للبطالة والشغل الناقص المرتبط بعدد ساعات العمل بلغ 16.6 في المائة خلال الفصل الأول من 2026. كما بلغ عدد الأشخاص ضمن القوة العاملة المحتملة 884 ألف شخص. وهذا يعني أن الرقم الواحد لا يستطيع وحده اختزال واقع سوق الشغل المغربي.

فقد يكون شخص ما خارج تعريف العاطل وفق المنهج الإحصائي المعتمد، لكنه في الواقع يعيش وضعية هشة أو يعمل ساعات قليلة أو فقد الأمل في العثور على عمل. وقد يكون شخص آخر يشتغل، لكن في وظيفة مؤقتة أو منخفضة الدخل أو غير مستقرة. ولذلك فإن الاقتصار على معدل البطالة بالمفهوم الضيق يمكن أن يعطي صورة أقل اتساعا من الواقع الاجتماعي والاقتصادي لسوق الشغل.

والمشكلة الحقيقية ليست في أن تكون هناك أرقام مختلفة، بل في أن تكون هذه الاختلافات غير مفهومة بالنسبة إلى الجمهور. حيث في الدول التي تحترم المعلومة الإحصائية، يمكن أن نجد أرقاما متعددة للمؤشر نفسه، لأن هناك مؤسسات مختلفة ومناهج مختلفة وفترات مرجعية مختلفة. لكن القاعدة الأساسية هي أن تكون العلاقة بين هذه الأرقام واضحة. فماذا يقيس كل رقم؟ ومتى قيس؟ وكيف جرى احتسابه؟ وما حدود المقارنة بينه وبين رقم آخر؟ ومن هنا يصبح السؤال مشروعا، وهو هل المغرب يسير بسرعتين على مستوى إنتاج المعلومة الاقتصادية؟

قد يكون من المبالغة القول إن هناك “غيابا للكفاءات” في مجال الإحصاء، خصوصا أن المندوبية السامية للتخطيط تتوفر على تقاليد طويلة في إنتاج الإحصاءات، كما أن بنك المغرب مؤسسة تتوفر بدورها على أجهزة وخبرات اقتصادية ومالية مهمة. ولذلك فإن تفسير الفوارق بغياب الكفاءات سيكون تبسيطا لمشكلة أكثر تعقيدا. والأقرب إلى الموضوعية هو القول إن الإشكال يتعلق بدرجة أكبر، بضعف التنسيق والتواصل العمومي حول الأرقام والمؤشرات.

فالدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى إنتاج أرقام صحيحة، بل تحتاج أيضا إلى منظومة موحدة لتفسيرها. لأن المواطن لا ينبغي أن يكون مضطرا إلى قراءة التقارير السنوية لبنك المغرب، ومذكرات المندوبية السامية للتخطيط، والبحث عن الفروق المنهجية بينها حتى يفهم لماذا انتقلت البطالة من رقم إلى آخر. ثم إن هناك مسألة أخرى أكثر أهمية، وهي ماذا نفعل بهذه الأرقام؟

إذا كانت البطالة مرتفعة، فلا يكفي أن نختلف حول ما إذا كانت 13 في المائة أو 10.8 في المائة. لأن السؤال السياسي والاقتصادي الحقيقي، هو لماذا لا يستطيع الاقتصاد المغربي خلق ما يكفي من فرص الشغل؟ ولماذا تبقى بطالة الشباب عند مستويات مرتفعة؟ ولماذا يظل المواطن المغربي الأكثر تعرضا للبطالة؟ ولماذا لا يتحول النمو الاقتصادي دائما إلى فرص عمل بالسرعة نفسها؟

فحسب معطيات المندوبية، بلغت البطالة لدى النساء 16.1 في المائة مقابل 9.4 في المائة لدى الرجال، بينما بلغت لدى الشباب بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة. وهذه الأرقام أكثر دلالة من الجدل حول الفارق بين 10.8 و13 في المائة، لأنها تكشف أين تتركز الأزمة فعليا. ثم هناك سؤال سياسي لا يمكن تجاهله، وهو هل تستخدم الأرقام الاقتصادية لتقييم السياسات العمومية فعلا، أم تتحول أحيانا إلى أدوات لتقديم صورة أفضل عن الوضع؟

هنا ينبغي الحذر من إطلاق اتهامات غير مدعومة بالأدلة. لا توجد في المعطيات المتاحة قرينة كافية للقول إن هناك “حسابات” متعمدة لتضارب المعلومات بين مسؤولي الدولة. كما أن اختلاف الرقمين يمكن تفسيره بشكل واضح باختلاف الفترة المرجعية، وكل ذلك وفق ما أوردته أيضا مصادر صحفية نقلا عن توضيحات بشأن الموضوع. ولكن عدم وجود دليل على التعمد لا يعني أن النقاش غير مشروع.

فالشفافية لا تعني فقط ألا تكذب المؤسسات، وإنما تعني أيضا أن تقدم المعلومة بطريقة تمنع الالتباس وسوء الفهم. وعندما تصدر مؤسستان عموميتان أرقاما مختلفة حول مؤشر شديد الحساسية، فإن عليهما أن تسبقا السؤال بشرح واضح، حيث هذا الرقم يخص هذه الفترة، وفق هذه المنهجية، ولا تجوز مقارنته مباشرة بالرقم الآخر إلا بهذه الشروط.

والمغرب، الذي يريد أن يقدم نفسه باعتباره دولة تتجه نحو تحديث الإدارة وتعزيز الحكامة، يحتاج إلى أن يجعل المعلومة الإحصائية جزءا من هذه الحكامة، لا مجرد مادة للتقارير الرسمية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل 13 في المائة هي النسبة الصحيحة أم 10.8 في المائة؟ بل السؤال الأكثر أهمية، هو هل نملك منظومة وطنية تجعل المواطن يفهم لماذا هناك 13 في المائة هنا و10.8 في المائة هناك؟ وهل يستطيع صانع القرار نفسه أن يبني سياساته على مؤشرات متناسقة وقابلة للمقارنة؟ وهل توجد آلية واضحة لقياس أثر هذه السياسات على البطالة، خصوصا لدى الشباب والنساء؟

إن الاختلاف الإحصائي في حد ذاته ليس عيبا، لأن العيب هو أن يتحول الاختلاف إلى ارتباك في ذهن المواطن. وإذا كان المغرب يريد فعلا أن ينتقل من اقتصاد الأرقام إلى اقتصاد المعرفة، فعليه أن يتعامل مع الإحصاء باعتباره بنية تحتية للقرار العمومي. فكما تحتاج الدولة إلى طرق وموانئ ومطارات، تحتاج أيضا إلى بيانات دقيقة وموحدة وقابلة للمقارنة وأيضا مفهومة للجميع.

وفي النهاية، قد لا يكون المغرب “يسير بسرعتين” كما قد يبدو للوهلة الأولى، وإنما تتحدث مؤسساته عن فترات زمنية مختلفة وبمنهجيات ينبغي توضيحها بشكل أكبر. لكن استمرار هذا الالتباس يطرح سؤالا مشروعا حول التنسيق بين المؤسسات العمومية، وحول قدرة الدولة على تقديم رواية إحصائية واضحة ومقنعة للمجتمع.

إن المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أن البطالة 13 أو 10.8 في المائة، بل إنه يريد أن يعرف كم عدد الذين لا يجدون عملا، ومن هم، ولماذا، وماذا تفعل الدولة لتغيير هذا الواقع، ومتى يمكن أن تظهر النتائج؟ ومن هنا يبدأ النقاش الحقيقي، بعيدا عن صراع الأرقام وقريبا من واقع الناس.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *