رصد المغرب/ عبد العزيز الحاضر الادريسي
يشكل بناء إجماع حزبي ومدني حول أي قضية حقوقية في الأنظمة السياسية التعددية اختبارا حقيقيا لنضج الفاعلين. فالقضية العادلة وحدها لا تكفي لصناعة توافق، لأن الأمر يتجاوز منطق الحق إلى منطق السياسة. يتعلق بطبيعة البيئة التي يتم فيها النقاش، وبتوازن القوى داخلها، وبقدرة أصحاب المطلب على نقل قضيتهم من هامش “الملف الفئوي” إلى صلب “القضية الوطنية”.
ويغدو هذا الأمر أكثر تعقيدا عندما يكون الملف مرتبطا في الذاكرة الجماعية بمرحلة أمنية حساسة. وهذا بالضبط ما ينطبق على ملف المعتقلين الإسلاميين السابقين في المغرب. هنا لا نتحدث عن قضية حقوقية مجردة، بل عن ملف تتداخل فيه خيوط الحقوق مع خيوط السياسة والأمن والإيديولوجيا، لينتج نسيجا يصعب فكه دون تمزق.
منذ أحداث 16 ماي 2003 تبنت الدولة المغربية مقاربة أمنية استباقية لمواجهة خطر الإرهاب. وقد أثبتت هذه المقاربة نجاعتها في تفكيك خلايا ومنع عمليات وحماية استقرار البلاد في محيط إقليمي مضطرب. لكن هذا النجاح الأمني أنتج مناخا سياسيا وإعلاميا خاصا. تحولت عبارة “متابع على خلفية الإرهاب” إلى جدار عازل. وأصبحت أي محاولة لفتح النقاش حول شروط المحاكمة أو أوضاع السجن أو مستقبل المعتقلين السابقين تواجه فورا بسؤال الخوف: هل هذا مساس بالأمن القومي؟
في ظل هذا المناخ اختار كثير من الفاعلين السياسيين والحزبيين طريق الصمت الحذر. فالحديث عن الملف قد يكلف رصيدا انتخابيا أو يفتح الباب لاتهامات بالتطبيع مع التطرف. وهكذا بقي الملف معلقا بين أرشيف الأمن وبين ضمير الحقوقيين، بلا مبادرة سياسية جريئة لكسر الجمود.
ولفهم عمق التعقيد يجب أن ننظر إلى طبيعة هذه الفئة نفسها. فالصورة الشائعة عن تنظيم مهيكل ذي بيعة وأمير لا تنطبق على الجميع. جزء واسع من المتابعين كانوا شبابا تأثروا عبر شاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي بخطاب سلفي عاطفي حول قضايا الأمة. لم يكونوا بالضرورة عناصر في خلية تعمل، بقدر ما كانوا أفرادا حملوا قناعات فكرية عبروا عنها في لحظة تاريخية معينة.
هذا الوضع يضعنا أمام إشكال مزدوج. أمنيا يصعب التعامل مع قناعة فردية منتشرة بنفس أدوات تفكيك التنظيمات. وحقوقيا يصعب الدفاع عن حالات شملتها متابعات قضائية بتهم ثقيلة، حتى لو شابتها خروقات. النتيجة هي منطقة رمادية تتوه فيها القضية بين وصف “سجين الرأي” ووصف “المتهم بالإرهاب”، ولا تجد لها مكانا واضحا في الخطاب السياسي.
داخل الحقل الحزبي والمدني انعكس هذا الغموض انقساما واضحا، هناك تيار يرى في الملف قضية إنسانية وقانونية في الدرجة الأولى. يستند هذا التيار إلى أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على ضمان المحاكمة العادلة لكل مواطنيها، وأن التعذيب وانتهاك شروط التقاضي وجبر الضرر هي مبادئ لا تتجزأ. ويرى أن طي هذه الصفحة جزء من استكمال مسار المصالحة الذي بدأته هيئة الإنصاف والمصالحة.
في المقابل يوجد تيار آخر يفضل المقاربة الأمنية والتحفظ. يرى أن إعادة فتح النقاش قد تعيد البلاد إلى نقطة البداية، وقد تستفز الرأي العام، وقد تمنح شرعية لخطاب كان سببا في المأساة. لذلك يفضل هذا التيار طي الصفحة والتركيز على الحاضر والمستقبل وتجنب نبش الجراح.
وبين الموقفين يضيع الحق. يتحول الملف من قضية مواطنين لهم أسر وعائلات ومستقبل إلى ورقة يتم تحريكها بحسب المزاج السياسي والموسم الانتخابي.
لكن أخطر ما في الأمر هو كلفة هذا الصمت. فعندما يخرج مواطن بعد سنوات طويلة من السجن ليجد نفسه موصوما وعاطلا ومريضا وبلا أفق لجبر الضرر، فإن الإحساس بالإقصاء يتراكم. وعندما يشعر هو وعائلته بأن أبواب الوطن مغلقة في وجههم، فإنهم سيبحثون عن أبواب أخرى.
قد يتجه البعض نحو المنظمات الحقوقية الدولية لكسر العزلة الداخلية. وقد ينغلق البعض الآخر على نفسه فتغذى لديه نفس الأفكار التي أدت به إلى الاعتقال. وقد يلجأ آخرون إلى أشكال احتجاج يائسة لأن اليأس لا يترك لصاحبه خيارات كثيرة. بمعنى آخر، تجاهل الملف اليوم لا يعني حله، بل يعني تأجيله إلى وقت قد تكون كلفته أكبر.
إن الحل لا يكمن في التدويل. فاللجوء للخارج قد يكون وسيلة ضغط آنية لكنه ليس خيارا استراتيجيا. الحل يكمن في جرأة وطنية لفتح نقاش مسؤول. نقاش يبدأ بالتفريق العقلاني بين الحالات، ويعترف بأن ليس كل الملفات متشابهة. ويستكمل بمسار واضح لجبر الضرر والمراجعة القضائية للحالات التي ثبت فيها خلل، وبالإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمعتقلين السابقين حتى لا يبقوا رهائن للماضي.
الدولة القوية لا تخشى مراجعة نفسها. والدولة الذكية هي التي تناقش مشاكلها بشروطها وقبل أن تفرض عليها من الخارج.
السؤال الذي نواجهه اليوم ليس هل يجب أن نتحدث عن ملف المعتقلين الإسلاميين السابقين أم لا. السؤال هو: هل نختار أن نناقشه نحن في إطار وطني جامع يحفظ الأمن ويصون الحقوق، أم نتركه حتى يناقش في فضاءات أخرى وبشروط أخرى؟
لأن الحقيقة بسيطة. المواطن الذي لا يجد الإنصاف في وطنه سيبحث عنه حتما، حتى لو كان الثمن باهظا على الجميع.
شارك المقال























Leave a Reply