مدينة سلا نموذج يختزل أزمة الحكامة المحلية في المغرب

رصدالمغرب / عبدالكبير بلفساحي


دائما ما تقدم مدينة سلا كنموذج مصغر لما يجري في باقي ربوع المملكة، فهي المدينة التي تختزل، في تفاصيل تسييرها اليومي، علاقة الدولة بالمجتمع، ومكانة المنتخبين والمعينين في منظومة تدبير الشأن العام، لكن هل فعلا تعكس سلا روح المبادرة الملكية في الإصلاح والتنمية، أم أنها ضحية بنية محلية مترهلة لا ترى في المنصب سوى وسيلة للاغتناء والنفوذ؟

من المؤسف أن يتأكد، يوما بعد آخر، أن كثيرا من المنتخبين، من رئيس الحكومة إلى أبسط مستشار جماعي، يضعون مصالحهم الخاصة فوق المصلحة العامة، حيث لا نكاد نلمس إرادة حقيقية في الإصلاح أو التسيير النزيه، بقدر ما نرى سباقا محموما نحو الإثراء غير المشروع، وكأن المال العام إرث مشاع بينهم، ولعل تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي أقر بأن “قانون الإثراء غير الشروع هو ما يخيفهم”، يكشف بوضوح حجم الفساد الذي ينخر بعض مؤسساتنا.

في سلا تظهر هذه الإشكالات جلية في تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة، ومثال على ذلك ما حدث في الدائرة الإدارية 11 بحي السلام كنموذج، حين رفض القائد تسليم شهادة إدارية لطالبة تؤكد عدم مزاولتها أي عمل، حيث هذا القائد يعرف بعدم حضوره بشكل يومي، بدريعة أنه في مهمة استدعت حظوره للعمالة، رغم انه شوهد عدة مرات يقضي وقته في المقهى، و حيث قرارته تستند فقط إلى “معلومة” غير مؤكدة من أحد أعوان السلطة، دون أي تحقق أو اعتماد على معطيات رسمية من مؤسسات مختصة، كصندوق الضمان الاجتماعي أو مفتشية الشغل، لأن هذه الواقعة البسيطة تكشف هشاشة منظومة اتخاذ القرار داخل الإدارة الترابية، حين تبنى القرارات على تقديرات شخصية أو وشايات، لا على تحقيقات أو أدلة.

الأمر لا يقف هنا، بل يمتد إلى هرم المسؤولية المحلية، من العمالة إلى المجلس الجماعي، حيث تتكرر الوجوه نفسها منذ التسعينات، وكأن الانتخابات مجرد عملية “تدوير للكراسي”، و الوجوه ذاتها تعود، تتبدل المواقع لكن لا تتغير العقليات، فتظل المدينة رهينة نفس الدوائر المغلقة من المصالح المتبادلة والولاءات.

وهناك أيضا ما شوهد خلال الحفل الذي نظمته مقاطعة بطانة بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء بدار الشباب حي السلام، وهو تجسيد مصور لكل ما سبق ذكره، نفس الوجوه التي استخدمت في الحملات الانتخابية، و نفس الخطابات، ونفس الوعود المتكررة، فالكل يدور في فلك “المخزن المحلي”، حيث تمنح لخدام الحملة التفويضات والمناصب مقابل الولاء والمساندة الانتخابية، فيما تبقى التنمية الحقيقية مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

لقد آن الأوان لوزارة الداخلية، بقيادة عبد الوافي لفتيت، أن تفتح أعينها أكثر على هذا النوع من الفساد “الناعم” والخفي، الفساد الذي لا يرى في الصفقات الكبرى فقط، بل في تفاصيل الإدارة اليومية، في شهادة ترفض دون مبرر، في مسؤول يتقاعس عن أداء مهامه، وفي منتخب يفضل خدمة مصالحه على خدمة المواطن.

فمدينة سلا بتاريخها ورمزيتها، تستحق أفضل من هذا المشهد المتكرر، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المحاسبة المحلية، ومن تطهير الإدارة من كل من جعل من المنصب مطية للنفوذ بدل أن يجعله أداة لخدمة المواطن.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *