رصد المغرب/ محمد الهداج
لنتأمل الجملة التالية :
ترك زيد الجامعة قبل مدة قصيرة.
قد تبدو العبارة للوهلة الأولى واضحة المعنى مشرقة الدلالة. لكنه سراب بقيعة. الجملة بدأ بها اللغوي والمعجمي جون تايلور ورقته التي ساهم بها في الكتاب الجماعي: “التداولية المعرفية” المنشور بتاريخ 2012.
القراءة الأولى للجملة: غادر زيد أسوار الجامعة قبل وقت قصير.
ترك في هذه القراءة هي انتقال في المكان والجامعة هي بناية ومساحة محددة موجودة في الخارج و زيد كيان مادي يتحرك في المكان و الوقت القصير في هذه القراءة يُحيل على دقائق ولا يتجاوز بضع ساعات. في هذه القراءة قد تكون لزيد علاقة ما بالجامعة وقد لا تكون. كما أن الترك هنا يفترض أن زيدا كان في الجامعة بجسده ثم انتقل إلى خارج محيطها.
القراءة الثانية: استقال زيد من الجامعة منذ مدة قصيرة.
تَركَ في هذه القراءة تُحيل على قطعٍ لِعلاقة، والجامعة هي مؤسسة أي ليس لها وجود في الخارج، وزيد هنا ليس كيانا ماديا فقط وإنما هو كائن معرفي كذلك، قادر على التعاقد وإنهاء التعاقد مع مؤسسة، والوقت القصير قد يكون دقائق وقد يمتد لأشهر حسب سياق التلفظ. وزيد قد يترك الجامعة بالمعنى الذي ذكرنا دون أن يتجاوز عتبة باب داره، وقد يتركها وهو بعيد عنها بآلاف الكيلومترات، باتصال هاتفي مثلا، بل قد يتركها وهو داخل أسوار الجامعة، عند تقديمه لرسالة استقالته لرئيسه في المؤسسة.
العبارتان لهما استلزامات مختلف تماما، والمعاصرون، كالمتقدمين من اللغويين المسلمين، يعتبرون ما يلزم عن عبارة من مكونات دلالتها:
القراءة الثانية يلزم عنها أن زيدا تربطه علاقة ما بالجامعة كأن يكون أستاذا بها أو إداريا أو غير ذلك، لكن لا شيء من ذلك يلزم عن القراءة الأولى فربما اتخذ زيدٌ الجامعة طريقا مختصرا للعبور نحو مقصده.
كيف إذن لنفس الجملة أن يكون لها قراءتان بهذا الاختلاف الكبير، والذي طال كل مفردة فيها؟ وكيف يتمكن الناس من التفريق بين هذه القراءات دون أدنى عنت في الفهم؟
ينقسم اللغويون هنا إلى مدارس وتيارات، بعضهم يرى أن بالإمكان تفسير هذه القدرة على الفهم بالتوسل بمفهوم الاشتراك المعنوي، أي بوجود مضامين معجمية مختلفة لنفس اللفظ بينها جامع، يقوم الذهن بتخزينها واستحضارها في التخاطب، وهؤلاء لا يحبون التوسل بالاستعمال ويتحسسون من التداولية، وأشهر هؤلاء اللغوي الأمركي جورج لاكوف، صاحب “الاستعارات التي نحيا بها” و “نساء ونار وأشياء خطيرة”. والتيار الأغلبي اليوم، يذهب إلى أن سلطة تحديد الدلالة يتقاسمها المعجم والاستعمال أو بالاصطلاح المعتمد: علم الدلالة والتداوليات. لكن الخلاف على أشده بين هؤلاء حول حدود هذه السلطة، فبعضهم يريد جعل معظمها للمنطوق والاكتفاء بدور هامشي مساعد للتداول والبعض الآخر يريدها علاقة متكافئة والبعض الآخر يشغل المساحة المتبقية من الإمكان، فيريدها سلطة شبه مطلقة للتداول، وللمنطوق أن يساعد بقدر ضئيل، والفريق الأول هم جمهور الصوريين وعلى رأسهم ريشارد مونتاغيو وديفيد لويس والفريق الثاني يمثله اللساني الأمريكي كينت باك والفريق الثالث تمثله مدرسة نظرية المناسبة والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ريكاناتي. وإذا أردنا الرجوع إلى الشيوخ قلنا إن الفريق الأول يمثله برتراند راسل والفريق الثالث يمثله فيتجنشتين، ولنزعم أن الفريق الثاني يمثله فيلسوف أكسفورد الألمعي بول غرايس.
شارك المقال























Leave a Reply