عبد الصمد بلكبير والمسألة الدينية (1)

 

 

رصد المغرب/محمد زاوي

 

لا يمكننا تصنيف الماركسيين العرب في خانة واحدة، فلكل منهم مقاربة في المسألة الدينية وما تعلق بها، ولكل منهم تحليل واعتبار، أو تكوين خاص يميزه عن غيره. هذا ولا ينبغي أن نهمل سياق الماركسية العربية ونحن نتحدث عن موقف منظريها من المسألة الدينية. هناك اختلاف واضح بين مجتمع صناعي لم تعد للكنيسة سيطرة عليه، ومجتمع مختلط ما زال للدين سلطة على علاقاته الاجتماعية والسياسية. كما أن هناك اختلافا واضحا بين إيديولوجيا دينية تجعل وسيطا دينيا/ سياسيا بين الناس والغيب، وأخرى تحررهم وتجعلهم سواسية أمام هذا الأخير.

أثر هذا الاختلاف تأثيرا كبيرا على تعامل الماركسيين العرب مع المسألة الدينية. فكان منهم الذي رفضها وواجهها ودعا إلى تخليفها وتركها، حتى كاد ينادي بشعار البورجوازية الصاعدة في أوروبا: “اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس”.. لكن هذا النموذج سرعان ما وجد نفسه غريبا في مجتمع متدين، لا يختلط فيه الدين بالسياسة فقط، بل بالحياة الاجتماعية أيضا، كذا بلاوعي جمعي يعرف الدين كممارسة قديمة لم ينل منها تعاقب السياسات. في خضم هذا الضغط السياسي-الاجتماعي “المتدين”، ظهرت نماذج ماركسية متصالحة -إلى هذا الحد أو ذاك- مع المسألة الدينية.

فكان منهم الباحث عن المادية والجدلية في التراث (حسين مروة في كتابه “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”/ لبنان)، وكان منهم الداعي إلى تشكل “يسار إسلامي” (حسن حنفي والخليل عبد الكريم/ مصر)، وكان منهم المنظّر لـ”اشتراكية الدين” (خالد محيي الدين/ مصر)، وكان منهم الباحث في التقدمية التاريخية للسيرة النبوية (بندلي الجوزي/ فلسطين، ع. السلام الموذن/ المغرب، سلامة كيلو/ فلسطين-سوريا)، وكان منهم الداعي إلى امتلاك التراث بدل أن يمتلكنا (م. عابد الجابري في “نقد العقل العربي”/ المغرب).

كما كان منهم الداعي إلى استثمار أدلوجة التراث بعد القطع مع ذهنيته (ع. العروي/ المغرب)، وكان منهم المتوقف في تفسير بعض الظواهر الغيبية كالوحي (جورج حنا في كتابه “قصة الإنسان”/ لبنان)، وكان منهم الباحث عن القيم الشيوعية في سير المتصوفة وبعض الحركات السياسية (هادي العلوي في “مدارات صوفية” وكتب أخرى/ العراق)، وكان منهم الداعي إلى استثمار قيم المقاومة الدينية والتراثية في مواجهة الاستعمار القديم والجديد (عادل حسين/ المغرب)؛ الخ.

تلتقي كل هذه الخطوط وغيرها مع اجتهاد عبد الصمد بلكبير، وهو ما يمكننا إثباته بناء على مادته الفكرية والعلمية لا بناء على استنتاجنا الخاص فحسب.. فهو يتقاطع معها في مختلف اهتماماتها وزوايا نظرها، وإن كان يتميز عنها بنمط خاص في الفكر والممارسة، أي في إعادة إنتاج المعرفة وفق أغراض سياسية وإيديولوجية محددة.

فهو أيضا يبحث عن بوادر المنهج المادي الجدلي في التراث كما يفعل حسين مروة، لكنه يميز بين استعمال تراثي غير مقصود وابتكار حديث مقصود. ويطمح إلى تشكيل “يسار إسلامي” يدعو إليه الخليل عبد الكريم، لكنه يحذر من أن تستحيل هذه الدعوة مجرد طوبى في شرط تاريخي لا يتحملها. وينبه إلى وجود “اشتراكية في الإسلام” مثل خالد محيي الدين، لكنه يسميها “مشاطرةً” بتعبير أبي العباس السبتي، وينسبها قبل الإسلام إلى فطرة الإنسان فيسميها “اشتراكيةً فطرية”.

ويذكّرنا د. بلكبير بين فينة وأخرى بتقدمية السيرة وصاحبها كما يفعل عبد السلام الموذن، لكنه يميز بين تقدمية حدسية هي التي تحققت لرسول الإسلام (=”الإحساس بالتاريخ”)، وأخرى تتأتى بالوعي وهي التي يجب أن نكتسبها اليوم حسب مبلغنا من التقدم الفكري والنظري والعلمي، والسياسي والاجتماعي (=”الوعي بالتاريخ”).

ويدعو إلى امتلاك التراث كما هي دعوة الجابري، لكنه لا يبقى حبيس التنظير بل يباشر التأويل عساه يظفر بامتلاك وطني جامع أكثر منه امتلاكا حزبيا ضيقا. ومن جهة أخرى، يدعو إلى قطيعة مع ما يستحق قطيعة معرفية من التراث، لكنه ينبه العروي إلى “سنة قابلة للعب دور الإصلاح”، إلى سنة تستحيل تقدمية في شروط تاريخية خاصة.

هذا ولا يقف بلكبير مليا عند تفسير ظاهرة الوحي والظواهر الغيبية، فيكتفي بتسامي الذات الإلهية، المطلق الوحيد، ليباشر “فعله في الزمن” (يعرف بلكبير التاريخ بأنه “فعل الإنسان في الزمن”/ مقال “دين الفطرة ودين الدولة”). أما التصوف فنجده يولي اهتماما كبيرا بمردوده التاريخي والأخلاقي أكثر من مردوده الوجداني والجمالي، وأكثر من مردوده المعرفي والفلسفي؛ وفي ذلك تقاطعه مع هادي العلوي، وإن كان هذا الأخير يمزج بين دراستين تاريخية وفلسفية للعرفان العربي والإسلامي.

وقد جعله هذا الاهتمام التاريخي بالمسألة الدينية يبحث ما فيها من إمكانات للاستثمار مقاومَةً وممانعةً، فيصير الإسلام بذلك دافعا لخوض معركة “الاستقلال الوطني والقومي”، وهذا عنوان كتاب لعادل حسين أعاد نشره بلكبير بالمغرب (ضمن منشورات “الملتقى”، المجلة التي أسسها ويديرها د. بلكبير).

(يتبع)

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *