حين يصبح توقيت الأحداث أخطر من الأحداث نفسها

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي / 


في خضم تسارع الأحداث وتعدد الملفات التي تطفو إلى السطح في الساحة الوطنية، يفرض سؤال ثقيل نفسه بقوة، وهو هل نحن أمام مجرد تطبيق عادي للقانون والمؤسسات، أم أن بعض ما يجري تحكمه حسابات سياسية دقيقة، وتوقيتات مدروسة، ورغبة في إعادة ترتيب موازين القوى قبل الاستحقاقات الانتخابية؟

السؤال ليس ترفا ولا محاولة لإلقاء الشبهات جزافا، بل هو سؤال مشروع تفرضه طبيعة المرحلة وحساسية التوقيت. حيث حين تتوالى المتابعات والتحقيقات والبلاغات والملفات التي تمس فاعلين سياسيين أو منتخبين أو شخصيات لها حضور في المشهد العام، والتسريبات، لمكالمات تفرز عن نوايا غير سليمة، ومبطنة بتصفية الحسابات، هنا يصبح من حق الرأي العام أن يطرح عدة أسئلة، منها هل تخضع جميع الملفات للمعايير نفسها؟ وهل يتحرك القانون بالسرعة والصرامة نفسيهما عندما يتعلق الأمر بمختلف الأطراف؟ أم أن هناك ملفات تفتح أبوابها على مصراعيها، وأخرى تبقى طويلا في غرف الانتظار؟

المشكلة لا تكمن في أن تتحرك المؤسسات، بل في أن يفقد المواطن الثقة في دوافع هذا التحرك. لأن الدولة القوية ليست التي لا تحقق ولا تتابع، وإنما الدولة التي تجعل الجميع يطمئن إلى أن القانون لا يعرف الألوان الحزبية، ولا يفرق بين حليف وخصم، ولا ينتظر التعليمات السياسية حتى يقرر أين يضع يده.

وفي الفترات الانتخابية تحديدا، تصبح مسألة التوقيت شديدة الحساسية، لأن الملف القضائي الذي يفتح قبل الانتخابات بأسابيع قد تكون له آثار سياسية ضخمة، حتى لو كان أساسه قانونيا بحتا، والبلاغ الرسمي الذي يصدر في لحظة سياسية مشحونة قد يتحول، خارج إرادة المؤسسة نفسها، إلى مادة للصراع الانتخابي. لذلك فإن الشفافية تصبح هنا أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن مجرد مشروعية الإجراء لا تكفي دائماً لإقناع الرأي العام بسلامة السياق الذي تم فيه.

ولا يجوز في المقابل أن يتحول الحديث عن احتمال التوظيف السياسي إلى ذريعة لتجريم المؤسسات أو التشكيك في كل متابعة قضائية. فاتهام الدولة أو النيابة العامة أو الأجهزة الأمنية بأنها تتحرك بأوامر سياسية هو اتهام بالغ الخطورة، ولا يمكن أن يبنى على الانطباعات أو الإشاعات أو تقاطع التوقيتات وحدها. لأن المطلوب هو الدليل والقرينة، والمقارنة الموضوعية بين الملفات، وليس صناعة رواية سياسية جاهزة ثم البحث عن الوقائع التي تؤيدها.

لكن في الاتجاه المقابل، فإن مطالبة المواطن بالدليل لا تعني مصادرة حقه في السؤال. بل إن من صميم الديمقراطية أن يسأل المواطن عن أسباب فتح هذا الملف الآن، وعن سبب تأخر ملف آخر، وعن المعايير التي تحكم اختيار الأولويات، وعن مدى استقلال القرار المؤسساتي عن التجاذبات السياسية. لأن الصمت عن هذه الأسئلة هو الذي قد يخلق مساحة واسعة للشائعات والتأويلات، لا طرحها بشكل مسؤول.

والأخطر من كل ذلك هو أن تتحول المؤسسات، سواء عن قصد أو نتيجة سوء تقدير، إلى أدوات في معركة سياسية. فإذا شعر طرف سياسي بأن خصمه يمكن إسقاطه بملف قضائي، وإذا أصبح فتح التحقيق أو تسريب معلومة أو إطلاق بلاغ قادرا، أو تسريب صوتي يمكنه تغيير اتجاه المنافسة الانتخابية، فإن الخطر لا يعود مقتصرا هنا على الشخص المستهدف، بل يمتد إلى صورة المؤسسات نفسها وإلى الثقة في العملية الديمقراطية برمتها.

إن السياسة يجب أن تواجه السياسة، والانتخابات يجب أن تحسمها صناديق الاقتراع، أما القضاء والقانون فمكانهما خارج الحسابات الحزبية. ومن يريد إسقاط خصمه سياسيا، عليه أن يفعل ذلك بالبرامج والحجج والأصوات، لا بتمني سقوطه في ملف قضائي. لكن من تثبت في حقه أفعال مخالفة للقانون يجب أن يخضع للمساءلة، مهما كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه السياسي.

إن المغرب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الغموض، بل إلى مزيد من الوضوح. ولا يحتاج إلى مؤسسات تتهم بأنها مسيسة، ولا إلى سياسيين يوظفون كل متابعة قضائية باعتبارها مؤامرة ضدهم. ما يحتاجه هو مؤسسات قوية ومستقلة وشفافة، وسياسيون يتحملون مسؤولية أفعالهم، وإعلام قادر على طرح الأسئلة دون أن يتحول إلى منصة لتصفية الحسابات.

لقد أثبت التاريخ أن أخطر لحظة على أي نظام سياسي ليست لحظة وجود الخلاف، بل لحظة فقدان الناس القدرة على معرفة أين تنتهي السياسة وأين يبدأ القانون. وعندما يصبح كل توقيف “قرارا سياسيا” في نظر البعض، وكل انتقاد “استهدافا للمؤسسات” في نظر البعض الآخر، فإن الحقيقة تضيع بين الروايتين.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحا بقوة ليس “من أمر؟”، لأن الإجابة عن ذلك تحتاج إلى أدلة، وإنما هل تطبق القواعد نفسها على الجميع؟ وهل التوقيتات مبررة؟ وهل المعايير موحدة؟ وهل يتمتع كل طرف بحقه الكامل في الدفاع؟ وهل تستطيع المؤسسات أن تقدم للرأي العام ما يكفي من المعطيات التي تجعله يثق بأن القانون يتحرك وفق منطق قانوني، لا وفق روزنامة سياسية؟

هذه الأسئلة ليست عداءا للدولة، بل دفاع عن دولة المؤسسات. وليست تشكيكا في القضاء، بل دفاع عن استقلاله. وليست حماية للمتورطين، بل مطالبة بأن تكون المحاسبة شاملة وعادلة وغير انتقائية.

أما إذا ثبت بالدليل أن ملفات معينة حركت لأغراض سياسية أو لتصفية الحسابات، فالأمر لن يكون مجرد خلاف انتخابي عابر، بل سيكون مساسا خطيرا بمبدأ تكافؤ الفرص وبالثقة في المؤسسات. وإذا لم يثبت ذلك، فإن واجب الجميع هو التوقف عن تحويل الشك إلى حقيقة، والاتهام إلى حكم، والإشاعة إلى موقف سياسي.

وخلاصة كل ذلك، لا ينبغي أن يكون الخوف من الانتخابات مبررا للخوف من القانون، ولا ينبغي أن يكون القانون غطاءا للخوف من المنافسة السياسية. فالبلد الذي يريد انتخابات ذات مصداقية يحتاج إلى شيء واحد قبل النتائج، وهو أن يقتنع المواطن بأن القانون لا يدخل الحلبة الانتخابية إلى جانب أحد، وأن المؤسسات لا تعرف في قاموسها شيئا اسمه “صديق اليوم” أو “خصم الأمس”.

وأما إذا كانت هناك تصفية حسابات، فلتظهر الأدلة. وإذا كان هناك تجاوز للقانون، فلتكن المحاسبة. وإذا كان كل ما يجري تطبيقا عاديا للقانون، فلتكن الشفافية كافية لإقناع المغاربة بذلك. أما المنطقة الرمادية بين هذه الاحتمالات، فهي أخطر ما يمكن أن تعيشه الحياة السياسية، لأنها تترك المجال مفتوحا لكل التأويلات، وتمنح الشائعات قوة أكبر من الحقائق.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *