حين يُطلب من السائق أن يمشي في الصف… من يتحدث باسمه؟

رصد النغرب / مراد مجاهد /


حين خرج سائقو سيارات الأجرة في عدد من المدن المغربية إلى الشارع، لم يكن المشهد مجرد وقفة احتجاجية أخرى تضاف إلى سجل طويل من احتجاجات هذا القطاع، ولم تكن القضية مجرد غلاء في المحروقات أو منافسة التطبيقات أو البحث عن دعم جديد، لأن ما جرى هذه المرة كشف، في نظري، عن سؤال أعمق من كل هذه المطالب، سؤال يتعلق بمن يتحدث باسم السائق المهني، ومن يحدد أولوياته، ومن يملك حق القول إن هذا الاحتجاج أو ذاك يعبر عنه، وهي أسئلة لا أطرحها من موقع خصومة مع الاحتجاج، ولا من موقع الدفاع عن طرف ضد طرف، وإنما أطرحها من قلب المهنة، بعدما عشت خلف المقود أكثر من ثمانية عشر عاماً، وعرفت ما يعنيه أن تكون سائقاً مهنياً يعيش من يومه، ويحسب كلفة الوقود والمصاريف قبل أن يحسب ما تبقى له في نهاية اليوم، ولذلك فمن الطبيعي أن يكون للسائق الحق في الاحتجاج عندما تضيق عليه المعيشة، ومن حقه أن يطالب بمعالجة ارتفاع كلفة التشغيل، ومن حقه أن يسأل عن الحماية الاجتماعية، وعن استقرار عمله، وعن علاقته التعاقدية، وعن مصير المهنة التي أصبحت تواجه منافسة جديدة وتحديات لم تكن موجودة بالشكل نفسه قبل سنوات، ومن حقه كذلك أن يطالب بتطبيق القانون على كل من يمارس نقل الأشخاص خارج الإطار القانوني، لكن الاعتراف بشرعية هذه المطالب لا يعفينا من طرح السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً من كل المطالب نفسها: هل كل احتجاج يرفع شعار الدفاع عن سيارات الأجرة هو بالضرورة احتجاج يدافع عن السائق المهني؟ هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها، لأن المشهد لم يكن موحداً تماماً، فقد رحبت به هيئات وشاركت فيه، بينما اختارت هيئات أخرى عدم المشاركة، واعتبرت أن الجهات الداعية إلى التحرك أو بعض المطالب المطروحة لا تعبر بالضرورة عن السائق المهني المزاول غير المالك للسيارة أو المأذونية، بل رأت أن هناك مطالب تتقاطع أكثر مع مصالح أرباب ومستغلي سيارات الأجرة، ونحن هنا لا نحتاج إلى إصدار الأحكام على النيات، ولا إلى اتهام أحد بأنه يريد استغلال السائق، لأن النيات لا تثبت بالشعارات، لكن مجرد اختلاف الهيئات حول من يمثل من يكفي لكي نطرح السؤال بجدية: من يتحدث باسم السائق؟ فالسائق الذي يجلس خلف المقود لساعات طويلة ليس بالضرورة مالك السيارة، وليس بالضرورة صاحب المأذونية، وليس بالضرورة مستغلاً لعدة عقود استغلال، وموقعه الاقتصادي والمهني ليس بالضرورة هو موقع هؤلاء جميعاً، حتى وإن جمعهم قطاع واحد، ولذلك فإن كلمة “المهنيين” تبدو أحياناً واسعة أكثر مما ينبغي، لأنها تستطيع أن تجمع داخلها أشخاصاً لهم مصالح مشتركة في جانب، ومصالح مختلفة في جانب آخر، ومن هنا تبدأ المشكلة عندما يصبح صوت السائق وصوت المستغل صوتاً واحداً بالضرورة، أو عندما تصبح مصلحة صاحب الأصل هي نفسها مصلحة العامل، أو عندما يُطلب من الجميع أن يقفوا في الصف نفسه دون أن يُسمح لأحد بأن يسأل: إلى أين نحن ذاهبون؟ لا يعني هذا أن أرباب ومستغلي سيارات الأجرة لا حق لهم في الدفاع عن مصالحهم، فهذا حق مشروع ما دام يمارس في إطار القانون، ولا يعني أيضاً أن كل مطلب يرفعه هؤلاء يتعارض مع مصلحة السائق، بل قد تكون هناك مطالب مشتركة ومصالح متقاطعة، لكن التقاطع لا يعني التطابق، وهذه حقيقة بسيطة يجب ألا نخاف من قولها، لأن السائق المهني قد يلتقي مع المستغل في رفض النقل غير المرخص، وقد يلتقي معه في المطالبة بإصلاح القطاع، وقد يلتقي معه في مواجهة ارتفاع كلفة الاستغلال، لكنه في الوقت نفسه يملك أسئلة خاصة به لا يستطيع أحد أن يجيب عنها نيابة عنه: ماذا عن عقده؟ ماذا عن استمراريته في العمل؟ ماذا عن التصريح الفعلي به في منظومة الحماية الاجتماعية؟ ماذا عن التكوين؟ ماذا عن مستقبله المهني؟ ماذا يحدث له عندما تنتهي علاقته بالسيارة أو بالمستغل؟ وما الذي يضمن ألا يبقى دائماً الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة تبدأ بالمأذونية وتنتهي عند المقود؟ وهنا يجب أن نفرق بين أشياء ظلت مختلطة طويلاً في خطاب القطاع: المأذونية شيء، والسيارة شيء، والاستغلال شيء، والمهنة شيء آخر. المأذونية ليست هي السائق، وامتلاك السيارة ليس هو ممارسة المهنة، والاستغلال ليس هو العمل خلف المقود، والسائق المهني ليس مجرد شخص يقود سيارة مرتبطة بحق استغلال يملكه طرف آخر، وإذا ظللنا نخلط هذه الصفات فإننا سنستمر في إنتاج الأزمة نفسها، لأن من يتحمل الكلفة اليومية ليس بالضرورة هو من يملك القرار، ومن يواجه المواطن كل يوم ليس بالضرورة هو من يحدد شروط العلاقة المهنية، ومن يدفع ثمن الوقود والضغط النفسي والوقت ليس بالضرورة هو من يستفيد بالطريقة نفسها من كل إصلاح، ولذلك فإن السؤال عن الدعم مثلاً لا ينبغي أن يكون فقط: هل ندعم سيارات الأجرة؟ بل يجب أن يكون أيضاً: من يستفيد فعلياً من هذا الدعم، ومن يتحمل فعلياً كلفة الوقود؟ وإذا كان الهدف هو حماية السائق المزاول، فيجب أن تكون آليات الحماية مرتبطة بالاشتغال الحقيقي وبالمهني الذي يستهلك الوقود ويمارس العمل فعلاً، لا بمجرد امتلاك صفة أو وثيقة، لأن الدعم الذي لا يصل إلى الحلقة التي تتحمل الكلفة لا يعالج أصل المشكلة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التعريفة، فمن الطبيعي أن يسأل السائق كيف يمكن أن تستمر المهنة إذا ارتفعت كلفة التشغيل بينما ظلت المداخيل محدودة، لكن رفع التعريفة ليس قراراً بسيطاً أيضاً، لأنه يمس المواطن مباشرة، ولذلك لا ينبغي أن نضع السائق والمواطن في مواجهة بعضهما البعض، فالسائق يريد أن يعيش من مهنته، والمواطن يريد خدمة يستطيع تحمل كلفتها، والدولة مطالبة بأن تبحث عن المعادلة التي تحفظ الاثنين معاً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التطبيقات، فمن حق سيارات الأجرة أن تطالب بتطبيق القانون إذا كان هناك نشاط يمارس خارج الإطار القانوني، لكن السؤال الأبعد هو: هل نريد فقط منع التكنولوجيا، أم نريد تنظيمها؟ لأن التكنولوجيا لن تختفي، والمواطن تغيرت عاداته، والسوق تغير، وما كان ممكناً منعه قبل سنوات قد يصبح من الصعب تجاهله اليوم، ولذلك فإن الحل المستقبلي لا ينبغي أن يكون حرباً مفتوحة بين سيارة الأجرة والتطبيق، وإنما تنظيماً قانونياً واضحاً يحدد من يحق له نقل الأشخاص، وما شروط الترخيص، وما الالتزامات الجبائية والاجتماعية، وما حقوق السائق، وما حقوق المواطن، وكيف تكون المنافسة عادلة بين الجميع، فليس من المعقول أن نطلب من طرف احترام عشرات الشروط ثم نترك طرفاً آخر يعمل خارجها، وليس من المعقول أيضاً أن نواجه كل جديد بمنطق الرفض قبل أن نسأل كيف يمكن أن نستفيد منه في تحديث المهنة، لكن وسط كل هذه الملفات، هناك ملف أراه أهم من كل الشعارات، وهو معنى السائق المهني نفسه، لأننا إذا أردنا إصلاح سيارة الأجرة المغربية فعلينا أولاً أن ننقذ هذا المفهوم من الذوبان داخل كلمة واسعة اسمها “القطاع”، فالسائق المهني ليس رقماً في لائحة الاحتجاج، وليس مجرد شخص يُطلب منه أن يحضر عندما تكون هناك وقفة أو مسيرة، وليس مجرد صوت يرفع شعاراً كتبه آخرون، وإنما هو إنسان يمارس مهنة لها شروط وحقوق وواجبات، ولذلك يجب أن يكون حاضراً في صناعة القرار، لا فقط في تنفيذه، ويجب أن تكون له حماية اجتماعية حقيقية، وتكوين مستمر، ومسار مهني واضح، وعلاقة تعاقدية شفافة، وآليات تحميه من الهشاشة ومن أن يصبح مستقبله المهني رهيناً بعلاقة لا يملك فيها إلا أن يقبل أو يغادر، وفي المقابل يجب ألا تتحول المطالبة بحقوق السائق إلى إعفائه من واجباته، لأن الاحترافية لا تعني الحقوق وحدها، وإنما تعني أيضاً احترام المواطن والتعريفة والقانون والسلامة وحسن التعامل وقبول المراقبة والمحاسبة، ومن يريد مهنة محترمة يجب أن يقبل بأن تكون هناك مراقبة محترمة، ومن يريد حماية من المنافسة غير القانونية يجب أن يكون مستعداً كذلك لتطبيق القانون داخل المهنة نفسها، لأن القانون لا يمكن أن يكون سيفاً نطلبه عندما نكون ضحية، ودرعاً نرفضه عندما نكون موضع مراقبة، وهنا أقولها بوضوح: المشكلة ليست في أن يحتج السائق، وإنما في أن يحتج دون أن يعرف بالضبط ما الذي يطلبه باسمه، ومن سيستفيد من النتيجة، وماذا سيغير ذلك في حياته بعد انتهاء الوقفة. قد تكون هناك مطالب مشتركة بين السائق والمستغل، وهذا طبيعي، لكن على السائق أن يعرف أيضاً مطالبه الخاصة، وأن يميز بين ما يخدمه مباشرة وما يخدم القطاع بصورة عامة، لأن القطاع ليس شخصاً واحداً، والسائق ليس القطاع كله، وصاحب المأذونية ليس القطاع كله، والمستغل ليس القطاع كله، والنقابة ليست القطاع كله، والجمعية ليست القطاع كله، والسلطة ليست القطاع كله، وإنما القطاع منظومة من أطراف متعددة، ولكل طرف حقوق ومصالح ومسؤوليات، وإذا لم نعترف بهذا الاختلاف فسوف نظل نبحث عن حل لأزمة لا نعرف حتى كيف نصفها، ولهذا فإنني لا أقول للسائق: لا تشارك، ولا أقول له: شارك، لأنني لست وصياً على اختياراته، وإنما أقول له شيئاً أبسط: قبل أن تمشي خلف أي دعوة، اسأل إلى أين ستصل أنت، وليس فقط إلى أين ستصل الدعوة. وقبل أن ترفع شعاراً، اسأل هل هذا الشعار يعبّر فعلاً عن مصلحتك المهنية، أم أنه يعبر عن مصلحة أخرى تتقاطع مع مصلحتك في جزء وتختلف معها في جزء آخر، وقبل أن تمنح شرعية لمن يتحدث باسمك، اسأله سؤالاً واحداً لا يحتاج إلى خطابة طويلة: ما هو الملف الخاص بالسائق المهني المزاول غير المالك؟ فإذا كان الجواب واضحاً، محدداً، ومصحوباً بضمانات قابلة للنقاش، فالتضامن ممكن والمشاركة مفهومة، أما إذا ذاب السائق داخل كلمة عامة اسمها “المهنيون” أو “القطاع”، فهنا يجب أن يتوقف قليلاً ويفكر، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للسائق ليس أن يختلف مع من يدافع عنه، وإنما أن يكتشف بعد انتهاء الاحتجاج أن صوته استُعمل لإسناد مطلب لم يكن هو صاحب الأولوية فيه، وأنه عاد إلى المقود نفسه، بالعلاقة نفسها، والهشاشة نفسها، والأسئلة نفسها، بينما تغيرت فقط عناوين البيانات، ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لسيارات الأجرة في المغرب لا ينبغي أن يبدأ من السؤال: كيف نوقف الاحتجاج؟ ولا من السؤال: كيف نرفع التعريفة؟ ولا حتى من السؤال: كيف نمنع التطبيقات؟ بل من سؤال أكبر: كيف نبني مهنة يكون فيها السائق مهنياً بحق، والمستغل مسؤولاً بحق، وصاحب المأذونية واضح الصفة والمسؤولية، والدولة واضحة في تنظيمها ومراقبتها، والمواطن محترماً في حقه في خدمة آمنة وعادلة؟ عندها فقط يمكن أن نتحدث عن إصلاح حقيقي، لأن إنقاذ القطاع لا يكون فقط بإنقاذ السيارة من المنافسة، وإنما بإنقاذ المهنة من الاختلال، وإنقاذ السائق من الهشاشة، وإنقاذ المواطن من سوء الخدمة، وإنقاذ العلاقة بين كل هذه الأطراف من الغموض الذي طال أكثر مما ينبغي، ولذلك فإن وقفات هذه الأيام، أياً كان موقفنا منها، قد تنتهي بانتهاء ساعات الاحتجاج، لكن السؤال الذي طرحته ستبقى له قيمة بعد انصراف آخر سيارة من الشارع: هل نريد مجرد إنقاذ سيارة الأجرة من أزمة عابرة، أم نريد إنقاذ السائق من منظومة جعلته طويلاً آخر من يُستشار وأول من يُطلب منه الحضور؟ لأن الفرق بين الأمرين كبير، وبينهما بالضبط يوجد مستقبل مهنة بأكملها.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *