رصد المغرب / عبد العالي بريك /
احتضن فندق روايال ميراج بمدينة فاس، زوال يوم أمس الخميس 29 أكتوبر 2026، ندوة صحفية نظمتها جمعية «عملية البسمة المغرب» (Operation Smile Morocco)، لتسليط الضوء على تفاصيل حملتها الجراحية الإنسانية والتطوعية في دورتها الثالثة بمدينة فاس، والتي تستهدف الأشخاص المولودين بتشوهات خلقية على مستوى الشفة أو سقف الحلق، في مبادرة طبية واجتماعية تروم تمكين الفئات ذات الدخل المحدود والأشخاص الموجودين في وضعيات اجتماعية صعبة من الاستفادة من عمليات جراحية مجانية، وإعادة الأمل إليهم وإلى أسرهم.
وتأتي هذه المبادرة في إطار البرنامج الإنساني الذي تعتمده الجمعية بشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وبتنسيق مع المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس مكناس، حيث من المرتقب أن تحتضن مصلحة الجراحة بمستشفى الغساني بمدينة فاس هذه الحملة خلال الفترة الممتدة من 30 أكتوبر إلى 4 نونبر 2026، لفائدة المرضى الذين يعانون من شق الشفة أو شق سقف الحلق، المعروفين كذلك بالتشوهات الخلقية التي تؤثر على ملامح الوجه ووظائف النطق والتغذية في عدد من الحالات.
وشكلت شروط الاستفادة من هذه الحملة أحد أبرز محاور النقاش خلال الندوة الصحفية، حيث جرى التأكيد على أن المبادرة مفتوحة أمام مختلف الفئات العمرية، ابتداءا من ستة أشهر فما فوق، دون وضع حد أقصى للسن، بما يتيح الفرصة للأطفال والشباب والبالغين الذين لم تتح لهم ظروفهم الصحية أو الاجتماعية إمكانية الخضوع لهذه العمليات في وقت سابق.
وتستهدف الحملة، بالأساس، الأشخاص المنحدرين من أسر محدودة الدخل، والفئات الأقل دخلا، فضلا عن المرضى الذين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة، وذلك من خلال توفير تدخلات جراحية مجانية، في خطوة تعكس البعد التضامني للعملية وحرص القائمين عليها على جعل العلاج والتكفل الطبي متاحين أمام من هم في أمس الحاجة إليه.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التشوهات المستهدفة، التي لا تقتصر آثارها على الجانب الجمالي فحسب، بل قد تمتد إلى صعوبات التغذية والنطق والتنفس، فضلا عن الانعكاسات النفسية والاجتماعية التي يمكن أن يعاني منها المرضى وأسرهم، خصوصا الأطفال الذين قد يواجهون صعوبات في الاندماج داخل محيطهم الاجتماعي.
وعرفت الندوة الصحفية نقاشا تفاعليا، تخللته مجموعة من الأسئلة والاستفسارات المحورية التي طرحها ممثلو وسائل الإعلام بشأن الجوانب التنظيمية والطبية والإنسانية للحملة، لاسيما ما يتعلق بعدد الحالات المتوقع استهدافها، والإمكانات المتاحة، وطبيعة التدخلات الجراحية، فضلا عن المعايير المعتمدة في استقبال المرضى وتحديد الحالات التي يمكنها الاستفادة من العمليات.
كما انصبت بعض الأسئلة على الأرقام المرتقبة للمرضى المستفيدين من هذه الدورة، في ظل أهمية الحملة وحجم الطلب المحتمل على هذا النوع من التدخلات الجراحية، خصوصا أن المبادرة تستهدف شريحة واسعة من المرضى بمختلف أعمارهم وأوضاعهم الاجتماعية.
وقد شكلت أجوبة رئيسة الجمعية مناسبة لتوضيح عدد من النقاط المرتبطة بتنظيم هذه المحطة الطبية، وتقديم معطيات حول طبيعة البعثة المشاركة، والتخصصات الطبية التي ستسهر على إنجاز العمليات، إلى جانب الكفاءات والخبرات المهنية التي جرى تعبئتها لإنجاح هذا الموعد الإنساني.
ومن بين المعطيات المهمة التي جرى تقديمها خلال اللقاء، التركيبة الطبية والتقنية للبعثة المشاركة، والتي تضم أطباء متخصصين وأطرا طبية وتمريضية وكفاءات مهنية مؤهلة، تتوفر على الخبرة اللازمة للتعامل مع مختلف الحالات المرتبطة بشق الشفة وشق سقف الحلق، وفق المعايير الطبية المعتمدة.
وتتطلب هذه العمليات، بالنظر إلى طبيعتها ودقتها، تكاملا بين عدد من التخصصات الطبية، من بينها جراحة التشوهات الخلقية، والتخدير والإنعاش، وطب الأسنان وتقويمه، إلى جانب التخصصات المرتبطة بالنطق والتغذية والرعاية الصحية المصاحبة، بما يضمن مواكبة المريض قبل التدخل الجراحي وأثناءه وبعده.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة الجمعية، والجراحة بثينة حاجي العموري ، خلال تقديمهما لتجربة المؤسسة، أن مختلف الحملات التي نظمتها الجمعية عبر عدد من مناطق المملكة حققت نتائج إيجابية، مشيرة إلى أن العمليات الجراحية التي أُجريت في إطار هذه المبادرات تكللت بالنجاح، بحسب المعطيات التي قدمتها، دون تسجيل أخطاء طبية وفق تأكيدهما.
كما قدمتا نماذج إنسانية لحالات كانت تعاني من تشوهات واضحة وخطيرة على مستوى الشفة، قبل أن تستفيد من التدخلات الجراحية التي ساهمت في تحسين وضعها الصحي وتغيير مظهرها، وهي شهادات ونماذج تعكس الأثر الذي يمكن أن تحدثه مثل هذه المبادرات في حياة المرضى، ليس فقط من الناحية الطبية، وإنما أيضا من الناحيتين النفسية والاجتماعية.
وبحسب المعطيات الواردة في الوثائق التعريفية التي قدمتها الجمعية، فقد تمكنت «عملية البسمة المغرب» من توفير الرعاية الجراحية المجانية لأكثر من 14 ألفاً و100 مريض، إلى جانب تقديم آلاف الاستشارات والخدمات الطبية، فضلا عن استفادة أكثر من 162 ألف شخص من مختلف الخدمات التي تقدمها المؤسسة.
وتشير الوثائق ذاتها إلى أن تدخلات الجمعية لا تقتصر على إجراء العمليات الجراحية، بل تشمل منظومة متكاملة من الخدمات الصحية والتخصصات المرتبطة بعلاج التشوهات الخلقية، من خلال مراكز متخصصة وبرامج للتكفل بالمرضى، بما يتيح مواكبة الحالات وفق احتياجاتها الطبية.
كما تندرج هذه التجربة ضمن شبكة دولية أوسع، إذ تفيد المعطيات التعريفية لجمعية عملية البسمة العالمية بأنها راكمت تجربة تمتد لأكثر من أربعة عقود، وتمكنت من إجراء أكثر من 400 ألف عملية جراحية، مع تعبئة آلاف المتطوعين والأطر الطبية في عشرات البلدان، بهدف الحد من آثار التشوهات الخلقية وتحسين جودة حياة المصابين بها.
ولا تنحصر القيمة الإنسانية لهذه الحملة في إجراء تدخل جراحي مجاني، بل تتجاوز ذلك إلى معالجة معاناة طويلة قد ترافق المرضى منذ ولادتهم، خاصة في الحالات التي تحول فيها الإمكانات المادية المحدودة دون الحصول على العلاج المناسب.
فشق الشفة أو سقف الحلق قد يشكل تحديا صحيا ونفسيا واجتماعيا للمصابين، وقد ينعكس على حياتهم اليومية ومسارهم الدراسي وعلاقاتهم بمحيطهم، الأمر الذي يجعل توفير العلاج المتخصص خطوة أساسية نحو تحسين ظروفهم وإعادة الثقة إليهم.
ومن هذا المنطلق، تشكل الدورة الثالثة للحملة بمدينة فاس محطة جديدة ضمن مسار العمل الإنساني والتطوعي لجمعية «عملية البسمة المغرب»، وفرصة أمام عدد من المرضى وأسرهم للاستفادة من خدمات طبية متخصصة دون تحمل أعباء مالية قد تكون خارج قدرتهم.
وبين الجهود الطبية المبذولة، والخبرات المتخصصة المشاركة، والبعد التضامني الذي تقوم عليه هذه المبادرة، تبرز أهمية استمرار مثل هذه الحملات وتوسيع نطاقها لتشمل أكبر عدد ممكن من المرضى، بما يعزز الحق في العلاج ويكرس قيم التضامن والتكافل، ويؤكد أن إعادة الابتسامة إلى وجه طفل أو مريض ليست مجرد نتيجة لعملية جراحية، بل بداية جديدة لحياة أكثر أملا واندماجا.
شارك المقال























Leave a Reply