الدار البيضاء على أعتاب تحول تاريخي مصحوب بمخاوف الإقصاء

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


تستعد مدينة الدار البيضاء لواحد من أكبر التحولات الحضرية والاقتصادية في تاريخها الحديث، في إطار خطة شاملة تستهدف إعادة هيكلة أسواقها التقليدية التي شكلت لعقود قلب النشاط التجاري للمدينة. حيث هذه الخطة، التي تجمع بين الترحيل والتحديث، تطرح رهانات كبرى تتعلق بتنظيم الفضاء الحضري وتعزيز النجاعة الاقتصادية، لكنها في المقابل تثير تساؤلات عميقة حول مصير آلاف العاملين في القطاع غير المهيكل.

تنقسم هذه الاستراتيجية إلى محورين رئيسيين. يتمثل الأول في الترحيل النهائي لعدد من الأسواق الكبرى خارج المجال الحضري للمدينة، من بينها سوق الجملة للخضر والفواكه، وسوق السمك، وسوق الدجاج، إضافة إلى المجازر البلدية ورحبة الحبوب. وسيتم نقل هذه الأنشطة إلى منطقة حد السوالم، حيث يجري الإعداد لإنشاء منصة لوجستيكية حديثة على مساحة تصل إلى 300 هكتار، وباستثمار يناهز 1.5 مليار درهم. وتهدف هذه الخطوة إلى تجميع الأنشطة الغذائية في فضاء منظم ومجهز بأحدث الوسائل، بما يخفف الضغط على المدينة ويحسن شروط السلامة والجودة.

وأما المحور الثاني، فيهم تحديث أسواق تاريخية داخل المدينة دون نقلها، وعلى رأسها درب غلف ودرب عمر. حيث في درب غلف، يرتقب هدم البنايات العشوائية وإعادة بناء سوق عصري ومنظم، في محاولة للقضاء على الفوضى التي تميز هذا الفضاء التجاري. غير أن هذا التوجه يثير مخاوف بشأن قدرة التجار الحاليين، خاصة صغار الباعة، على الاندماج في النموذج الجديد بشروطه المالية والتنظيمية.

وفي درب عمر، القلب النابض للتجارة بالجملة في المغرب، سيتم إحداث تحول وظيفي عميق، حيث ستتحول المحلات إلى فضاءات للعرض فقط، مع نقل أنشطة التخزين والتوزيع إلى مناطق لوجستيكية خارج المدينة، خصوصا بمنطقة المجاطية التابعة لمديونة. ويرتقب أن يساهم هذا التحول في تقليص حركة الشاحنات داخل المدينة وتخفيف الازدحام المروري.

ورغم ما تحمله هذه الإصلاحات من وعود بتحسين صورة المدينة وجودة العيش بها، إلا أنها تضع فئات واسعة أمام مستقبل غير واضح. حيث هناك آلاف العمال، من حمالة وباعة متجولين وأصحاب أنشطة بسيطة، يعتمدون بشكل يومي على الدينامية التي توفرها هذه الأسواق. ومع انتقالها أو إعادة هيكلتها، قد يجد هؤلاء أنفسهم خارج المنظومة الجديدة، في ظل غياب ضمانات واضحة لإدماجهم.

وفي السياق ذاته، يبرز البعد السياسي لهذه التحولات، حيث يرجح أن يتم تأجيل تنفيذ بعض القرارات الحساسة إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية، نظرا لتأثيرها المحتمل على فئات واسعة من الناخبين. وبالأحرى تشكل قاعدة انتخابية مهمة للأحزاب السياسية التي ستتخلى عنهم فيما بعد.

خلاصة، تقف الدار البيضاء أمام مفترق طرق بين التحديث والحفاظ على التوازن الاجتماعي. فبين مدينة أكثر تنظيما ونظافة، وأخرى تحتضن جميع فئاتها دون إقصاء، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق معادلة تنموية عادلة لا تترك أحدا خلفها.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *