هل اختلاط المال بالسياسة سيكون سبب انفجار أزمة داخل حزب الأحرار؟

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


في العلن يبدو الأمر مجرد شكاية قضائية بين طرفين، لكن في العمق نحن أمام قصة سياسية معقدة تتداخل فيها خيوط المال والانتخابات والسجن والصراع داخل حزب يقود الحكومة. إنها قضية تتجاوز حدود نزاع مالي لتطرح أسئلة حقيقية حول نزاهة العمل السياسي ومستقبل أحد أبرز الأحزاب في المغرب.

القصة تبدأ من معطيات صادمة، حيث هناك حديث عن تمويل انتخابي ضخم بلغ حوالي 800 مليون سنتيم خلال انتخابات 2021، ومساهمة جزئية من برلماني سابق، قبل أن يتحول الاتفاق، حسب رواية الدفاع، إلى نزاع حول “خيانة الأمانة” بعد عدم استرجاع جزء من المبلغ. لكن ما يجعل الملف أكثر حساسية هو أن الطرف المشتكي، رشيد الفايق، يوجد اليوم داخل السجن، ويهدد بالإضراب عن الطعام حتى الموت إن لم يتم الاستماع إليه بشكل كامل من طرف النيابة العامة.

القضية هنا لا تقف عند حدود القضاء، بل تمتد إلى قلب المشهد السياسي. الطرف الآخر في النزاع هو محمد شوكي، الأمين العام الحالي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وهو اسم مرشح للعب أدوار قيادية كبرى في المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. هذا المعطى وحده كاف لتحويل الملف من نزاع قانوني إلى أزمة سياسية محتملة.

الخطير في الملف ليس فقط الأرقام المتداولة، بل الإيحاءات بوجود “أسرار” و”علب سوداء” داخل الحزب، كما يلمح دفاع المشتكي. فحين يخرج صراع من هذا النوع إلى العلن، يصبح السؤال ليس فقط من على حق؟ بل ماذا يخفي هذا الصراع؟ ولماذا خرج الآن تحديدا؟

التوقيت يطرح أكثر من علامة استفهام. لماذا لم يتم تفجير القضية منذ 2021؟ ولماذا الآن، ونحن على بعد أشهر من انتخابات جديدة؟ هل يتعلق الأمر بتصفية حسابات داخلية؟ أم بمحاولة للضغط السياسي؟ أم فعلا ببحث متأخر عن العدالة؟

في المقابل، يثير صمت قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار تساؤلات إضافية. فحزب يقود الحكومة مطالب بتوضيح موقفه، ليس فقط لحماية صورته، بل أيضا للحفاظ على الثقة في المؤسسات السياسية. فمجرد وجود شبهات مرتبطة بالمال الانتخابي، حتى قبل ثبوتها، كفيل بإحداث شرخ في صورة الحزب.

فدائما ما نرى أن التجارب الدولية تقدم دروسا في هذا السياق. قضية فرانسوا فيون في فرنسا سنة 2017 والذي اتهم بتقاضي رواتب من الأموال العامة لزوجته وابنيه مقابل مهام برلمانية”شبحية”، واستخدام ميزانية البرلمان لتمويل دخل العائلة الشخصي، وتقاضي زوجته راتبا من مجلة أدبية يملكها صديق له دون تقديم عمل حقيقي، وزد على ذلك تهمة عدم التصريح عن قروض هدايا للهيئة الهليا للشفافية.

وهناك أيضا نيكولا ساركوزي كأول رئيس فرنسي يحكم عليه بالسجن في قضايا تتعلق بتمويل غير قانوني لحملته الانتخابية ومحاولة رشوة قاض، وسيلفيو بيرلوسكوني الذي أدين بالاحتيال الضريبي سنة 2013، بل تم طرده من البرلمان ومنعه من تولي مناصب عامة لفترة طويلة، رغم اختلاف السياق، أظهرت كيف يمكن لاتهامات مالية أن تطيح بمسار سياسي كامل، حتى قبل صدور الأحكام النهائية. في السياسة، الصورة لا تقل أهمية عن الحقيقة القضائية.

في النهاية، يبقى المبدأ واضحا، حيث المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والقضاء هو الفيصل. لكن السياسة لها منطق آخر، حيث يكفي الشك أحيانا لزعزعة التوازنات. فهل نحن أمام مجرد نزاع قانوني عابر؟ أم بداية أزمة أعمق داخل حزب الأحرار؟ والأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *