رصد المغرب/الحيداوي عبد الفتاح
المقدمة
تعتبر ظاهرة الجهادية المعاصرة واحدة من أكثر التحديات الأمنية والفكرية تعقيدا في القرن الحادي والعشرين. فمنذ نشأة تنظيم القاعدة في ثمانينيات القرن الماضي وحتى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وما تلاه من تحولات، شهدت هذه الظاهرة تطورات عميقة لم تقتصر على الجانب التنظيمي فحسب، بل امتدت لتشمل البنية النفسية والثقافية والاجتماعية للأجيال المنخرطة فيها. هذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات تكتيكية، بل عكست تحولات بنيوية في الفكر الجهادي نفسه، وفي البيئات التي يتشكل فيها، وفي الأدوات التي يستخدمها. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه التحولات الجيلية، مع التركيز على فرضية أن الأجيال الجهادية القادمة قد تتسم بمستويات أعلى من الوحشية والعدمية، مدفوعة بضغوط دولية وعربية متزايدة وبيئات اجتماعية هشة
الجيل الأول: القاعدة
تأسس تنظيم القاعدة في بيئة مختلفة تماما عن تلك التي شهدت صعود داعش. كان الجيل المؤسس للقاعدة، في معظمه، نتاجا للحركات الإسلامية السياسية والتنظيمات العقائدية ذات البناء الفكري الطويل، مثل تنظيم الجهاد الإسلامي المصري والجماعة الإسلامية، إضافة إلى تيارات متأثرة بفكر سيد قطب والإخوان المسلمين السوريين . هؤلاء المنظرون والمقاتلون مروا عبر تربية تنظيمية صارمة، وخطاب دعوي مكثف، وجدل فقهي عميق حول مفاهيم الأمة والدولة والعدو البعيد والقريب. كان الجهاد لديهم جزءا لا يتجزأ من مشروع أيديولوجي طويل الأمد، يهدف إلى تغيير الأنظمة القائمة وإقامة الخلافة، ولم يكن مجرد انفجار غرائزي أو رد فعل عشوائي . لقد كانت أهدافهم واضحة، وإن كانت متطرفة، وتستند إلى رؤية فكرية محددة، مما منحهم تماسكا أيديولوجيا واستراتيجيا. هذا التأصيل الفكري العميق ميزهم عن الأجيال اللاحقة التي افتقرت إلى هذا العمق النظري.
على الرغم من مسؤولية القاعدة عن أعمال ضخمة، إلا أنها حاولت تقديم نفسها كحركة ثورية عالمية تمتلك أخلاق حرب خاصة بها، وحرصت على إنتاج خطاب شرعي يبرر أفعالها ضمن تصور معين للجهاد . كان خطاب رموز مثل أيمن الظواهري وأبو محمد المقدسي مليئا بالتفاصيل الفقهية ومحاولات ضبط التكفير ووضع حدود للعنف، حتى وإن كانت تلك الحدود مرفوضة من خارج المنظومة الإسلامية التقليدية . هذا الجيل الأول كان يحمل أثرا عميقا من (ثقافة الحركة الإسلامية) التي تؤمن بالتربية والهوية الجماعية والعمل التنظيمي الطويل، وتعتبر أن الشرعية تنتج عبر المرجعية العلمية والتراتبية التنظيمية . كان هناك سعي دائم لإضفاء الشرعية الدينية على أفعالهم، حتى في أكثر العمليات دموية، مثل هجمات 11 سبتمبر، التي قدمت في أدبيات التنظيم كضربات استراتيجية ضد الهيمنة الأمريكية وليست مجرد قتل عشوائي . هذا التبرير الأيديولوجي كان يهدف إلى استقطاب المؤيدين وتعبئة القواعد الشعبية، مما يعكس بعدا سياسيا وفكريا أعمق من مجرد العنف. لقد كانت هذه الأخلاقيات، جزءا لا يتجزأ من هويتهم.
و قد تميز تنظيم القاعدة في جيله الأول ببنية هرمية واضحة، مع قيادة مركزية قوية ومجالس شورى تحدد الاستراتيجيات وتتخذ القرارات. كانت المرجعية الفقهية والعلمية تلعب دورا محوريا في توجيه التنظيم وتبرير أفعاله. هذا الهيكل التنظيمي سمح للقاعدة بالحفاظ على تماسكها لفترة طويلة، وتوجيه عملياتها بشكل منسق، وإن كان ذلك قد أدى إلى بطء في التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية. كان الولاء للقيادة المركزية والالتزام بالخطاب الأيديولوجي المحدد من السمات البارزة لهذا الجيل، مما يعكس طبيعة تنظيمية أكثر تقليدية مقارنة بالأجيال اللاحقة. هذه البنية المركزية سهلت عملية اتخاذ القرار ولكنها جعلت التنظيم عرضة للضربات الأمنية التي تستهدف قياداته.
الجيل الثاني داعش
مثل العراق بعد عام 2003 نقطة تحول حاسمة في مسار الجهادية، حيث أدت الفوضى العارمة التي أعقبت الغزو الأمريكي إلى ظهور جيل جهادي مختلف تماما. فقد أدى انهيار الدولة، والتفكك الطائفي، والعنف الأهلي، والسجون الأمريكية، وظهور الميليشيات، إلى خلق فضاء سياسي واجتماعي قائم على الفوضى المطلقة . في هذه البيئة المضطربة، نمت الهويات العنيفة السريعة بدلا من الحركات العقائدية البطيئة التي تحتاج إلى وقت للتأصيل والتربية. ظهر جيل لم يتشكل داخل المساجد والحلقات التنظيمية التقليدية، بل داخل أتون الحرب ذاتها. لم يقرأ هذا الجيل المطولات الفكرية التي كتبها منظرو الجهاد في الثمانينيات، بل تربى على المشاهد الدموية وأشرطة الذبح والخطب التعبوية المختصرة، والاحتقان الطائفي، والصدمة المستمرة . لقد انتقلت الجهادية بوضوح من ثقافة النص إلى ثقافة الصورة، ومن التربية التنظيمية إلى التعبئة النفسية اللحظية . هذا التحول العميق في بيئة التنشئة أثر بشكل مباشر على البنية النفسية والفكرية للمقاتلين الجدد، وجعلهم أكثر قابلية لتبني أشكال العنف الأكثر تطرفا، وأقل حساسية تجاه التداعيات الأخلاقية والقانونية لأفعالهم.
في ظل هذه البيئة الجديدة، فقدت المرجعيات التقليدية سلطتها أمام هذا الجيل الجديد، الذي أصبح يستمد الشرعية من الميدان ومن القدرة على ممارسة العنف، لا من القدرة على إنتاج الفقه أو الخطاب الأيديولوجي المعقد . برز نموذج أبو مصعب الزرقاوي كرمز لهذا التحول، حيث أدخل منطق الحرب الوجودية إلى الفكر الجهادي.
مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لم يعد العنف مجرد وسيلة لتحقيق غاية سياسية، بل تحول إلى جزء أصيل من الهوية الدعائية والتنظيمية. لقد فهم التنظيم منطق الإعلام الرقمي الجديد ببراعة، حيث تنتشر الصورة الصادمة أسرع من النص، ويصنع الرعب سلطة رمزية تتجاوز الحدود الجغرافية . اعتمد داعش على الإخراج السينمائي والمشاهد المسرحية للقتل والاستعراض الوحشي كشكل من أشكال بناء الهيبة، مما يمثل انفصالا كاملا عن الجيل القاعدي القديم الذي كان لا يزال حريصا على الحفاظ على صورة المجاهد الثوري أمام الرأي العام الإسلامي . يصف أوليفييه روا هذا التحول بأنه أسلمة للراديكالية، حيث يبحث الشباب عن الموت كغاية في حد ذاتها، في تعبير عن العدمية التي تميز هذا الجيل . هذا التوحش لم يكن عشوائيا، بل كان استراتيجية متعمدة لترويع الخصوم وجذب المقاتلين الجدد، مستغلا هشاشة الشباب وتوقهم للانتماء إلى قوة قاهرة، مما يعكس تحولا من العنف المبرر أيديولوجيا إلى العنف كغاية في حد ذاته.
تغيرت البنية التنظيمية للجهادية جذريا مع ظهور داعش. فبينما كانت القاعدة الكلاسيكية أقرب إلى تنظيم هرمي له قيادة مركزية ومجالس شورى ومرجعيات شرعية واضحة نسبيا، أنتجت مرحلة ما بعد العراق شبكات مرنة وخلايا مستقلة وفاعلين منفردين . ومع الثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الانتماء التنظيمي شرطا أساسيا للمشاركة في المشروع الجهادي، بل يكفي استهلاك المحتوى الدعائي المكثف ليتحول الفرد إلى فاعل محتمل. هذا أدى إلى ظهور ظاهرة الذئاب المنفردة ، حيث أصبح بالإمكان إنتاج جهاديين دون تنظيم، ومقاتلين دون تربية، وعنف دون قيادة مركزية واضحة . هذا التفكك التنظيمي يزيد من صعوبة تتبع هذه الظاهرة ومكافحتها، حيث يصبح العنف أكثر انتشارا وعشوائية، ويصعب التنبؤ بمصادره وأهدافه
لم يتشكل الجيل الجهادي الذي مثلته تنظيم القاعدة في البيئة نفسها التي خرج منها جيل تنظيم الدولة الإسلامية، ولذلك بدا الفرق بينهما أعمق من مجرد خلاف تنظيمي أو صراع على الزعامة، بل هو اختلاف في التكوين النفسي والثقافي وأسلوب فهم العنف ذاته. فجيل القاعدة نشأ في سياق تأثر بالحركات الإسلامية التقليدية وبالأدبيات الحركية والفكرية التي كانت تمنح مساحة واسعة للنقاش الشرعي والجدل الفقهي، لذلك ظهر قادته ومنظروه بوصفهم أبناء مرحلة طويلة من التربية التنظيمية والاشتغال النظري. كان الخطاب يميل إلى التنظير المطول، ومحاولة بناء شرعية فكرية للعنف من خلال مفاهيم مثل العدو البعيد ودفع الصائل وإقامة الخلافة، ولهذا حافظ التنظيم، ولو شكليا، على ما يشبه أخلاق الحرب في خطابه، فكان يسعى دائما إلى تبرير أفعاله ضمن سردية شرعية وسياسية معقدة.
أما جيل داعش فقد خرج من بيئة مختلفة تمامًا؛ بيئة الفوضى التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، حيث اختلط الانهيار الأمني بالحرب الطائفية والمشاهد اليومية للقتل والانتقام والتوحش. في هذه البيئة لم يعد التكوين الفكري العميق شرطًا للانخراط في العمل الجهادي، بل أصبح العامل النفسي والعاطفي أكثر حضورا من التأصيل العلمي. كثير من عناصر هذا الجيل لم يتربوا داخل حلقات علمية أو تنظيمات حركية تقليدية، بل تشكل وعيهم عبر مشاهد الدم، والخطب الحماسية القصيرة، والدعاية الرقمية السريعة، وهو ما جعل علاقتهم بالعنف مختلفة جذريًا عن الجيل السابق. فالعنف عند القاعدة كان وسيلة لتحقيق مشروع سياسي، بينما تحول عند داعش إلى هوية قائمة بذاتها، وإلى أداة لإنتاج الهيبة والرعب أكثر من كونه مجرد وسيلة لتحقيق هدف نهائي.
ولهذا بدا خطاب داعش أقل اهتماما بالتبرير الفقهي التفصيلي، وأكثر ميلا إلى التوحش المباشر بوصفه عقيدة دعائية. فبينما كانت القاعدة تحاول تقديم نفسها كتنظيم منضبط يمتلك قيادة مركزية ومجالس شورى وهيكلًا هرميًا واضحًا، ظهر داعش ببنية أكثر سيولة وشبكية، تعتمد على الخلايا المستقلة والذئاب المنفردة والانتشار الرقمي العابر للحدود. كما انعكس هذا التحول على طبيعة الإعلام إذ اعتمدت القاعدة على البيانات الطويلة والخطب النظرية والأدبيات الفكرية، في حين نقل داعش الدعاية الجهادية إلى مستوى بصري جديد قائم على الفيديوهات السينمائية والصور الصادمة والإيقاع السريع القادر على التأثير النفسي الفوري.
ومن هنا يمكن فهم كيف انتقل التيار الجهادي من جيل كان يرى نفسه حاملًا لمشروع سياسي مؤدلج، إلى جيل آخر تشكل في قلب الفوضى والحروب الأهلية، فصار أكثر اندفاعًا نحو العنف الخام وأقل اكتراثًا بالحدود الفكرية والتنظيمية التي حاول الجيل الأول الحفاظ عليها. ولذلك لم يكن صعود داعش مجرد انشقاق داخل الحركة الجهادية، بل كان تعبيرًا عن تحوّل تاريخي أوسع أصاب بنية الجهادية المعاصرة نفسها، وانتقل بها من “الجهاد المؤدلج” إلى “جهاد التوحش”، ومن التنظيم العقائدي المغلق إلى ظاهرة أكثر سيولة وعنفًا ورقمية.
استشراف المستقبل: الأجيال القادمة والتوحش المتصاعد
تشير المعطيات الحالية إلى أن احتمال اتجاه الأجيال القادمة نحو مزيد من الوحشية قائم بقوة . فكلما تراجعت المرجعيات الفكرية والتنظيمية، وازدادت البيئات الاجتماعية هشاشة، وارتفع منسوب القمع والحروب الأهلية، أصبح العنف أكثر تحررا من أي ضابط أيديولوجي أو أخلاقي . يرى جيل كيبيل أننا نشهد )جيلا ثالثا من الجهاد( يعتمد على الشبكات الرقمية والتجنيد الذاتي، ويتميز بـ )السلفية القتالية( التي ترفض الاندماج الثقافي وتسعى إلى القطيعة التامة مع المجتمعات التي تعيش فيها . هذا الجيل، الذي لم يعش تجربة الحركات الإسلامية الكلاسيكية، يتشكل في عالم رقمي سريع ومشحون بالمظلومية والغضب، مما يجعله أكثر عرضة لتبني أشكال متطرفة من العنف، وأقل قابلية للتأثر بالخطابات التقليدية أو محاولات الاحتواء الفكري. إن هذا التوحش المتصاعد لا يمثل مجرد تصعيد كمي للعنف، بل تحولا نوعيا في طبيعته ودوافعه.
الأجيال الجديدة التي تنشأ داخل بيئات رقمية سريعة ومشحونة بالمظلومية والغضب قد لا تحتاج إلى الانتماء إلى تنظيمات كبرى أو هياكل هرمية معقدة . قد نشهد مستقبلا نمطا أكثر خطورة من الجهادية الشبكية التي تمتزج فيها العدميات الفردية بالتقنيات الرقمية والدعاية العابرة للحدود . قد لا يكون الجيل القادم أكثر تدينا بالمعنى التقليدي، بقدر ما سيكون أكثر عنفا، حيث يفتقر الكثير من المنخرطين في موجات العنف الجديدة إلى تكوين شرعي حقيقي، ويتحركون داخل ثقافة غضب عالمية تتداخل فيها الهوية الدينية مع الإحباط الاجتماعي والعدمية الوجودية والرغبة في الانتقام . هذا النمط من الجهادية يعتمد بشكل كبير على التعبئة النفسية والعاطفية، مستغلا الفراغ الفكري والاجتماعي لدى الشباب، ويوفر لهم إحساسا بالانتماء والقوة في عالم يشعرون فيه بالتهميش والعجز.
تستمر البيئات المنتجة للجهادية في توفير أرض خصبة لظهور نسخ أكثر راديكالية وسيولة ووحشية، مثل الاستبداد، التفكك الطائفي، الانهيار الاقتصادي، السجون، والحروب المفتوحة . هذه العوامل تخلق بيئة من اليأس والإحباط تدفع الشباب نحو تبني الأيديولوجيات المتطرفة، وتجعلهم فريسة سهلة للتجنيد. ومع ذلك، لا ينبغي الوقوع في الحتمية التاريخية فالتجارب الجهادية العنيفة نفسها أنتجت ردود فعل نقدية واسعة داخل العالم الإسلامي، وكشفت انهيارات داعش حدود المشروع العنيف وعجزه عن بناء نموذج سياسي قابل للحياة . إن الوعي بهذه التحديات، وتطوير استراتيجيات شاملة لمواجهة الأسباب الجذرية للجهادية، يمكن أن يحد من انتشار هذا التوحش المتصاعد. يتطلب ذلك مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الإصلاح السياسي والاقتصادي، وتعزيز التعليم، وتوفير فرص العمل، ومكافحة الخطاب المتطرف بخطاب بديل مقنع. إن الاستثمار في بناء مجتمعات مرنة ومحصنة ضد التطرف هو السبيل الوحيد لمواجهة هذا التحدي المتنامي.
الخاتمة
إن التحولات التي شهدتها الأجيال الجهادية من القاعدة إلى داعش وما بعدها تعكس أزمة أعمق في العالم العربي، تتمثل في الانتقال من مرحلة الأيديولوجيات المنظمة إلى مرحلة الانهيارات المفتوحة . إن فهم الجيل الجهادي الجديد لا يمر فقط عبر دراسة النصوص الدينية، بل عبر دراسة علم الاجتماع السياسي للحروب والانهيارات والهويات الممزقة .
المراجع
[1] بشارة، عزمي. “تنظيم الدولة المكنّى داعش: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة”. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
[2] Roy, Olivier. “Le Djihad et la mort”. Seuil, 2016.
[3] Kepel, Gilles. “Terreur dans l’Hexagone : Genèse du djihad français”. Gallimard, 2015.
[4] أبو هنية، حسن، وأبو رمان، محمد. “تنظيم الدولة الإسلامية: الأزمة السنية والصراع على الجهادية العالمية”.
[5] Thomas, Dominique. “Générations djihadistes : Al-Qaïda – État islamique, histoire d’une lutte fratricide”.
[6] Khosrokhavar, Farhad. “Le Nouveau Jihadisme en Occident”.
شارك المقال























Leave a Reply