رياض مغلق في فاس القديمة يحكي سردية عن جماعة دينية خارجة عن المألوف

رصد المغرب / عبدالكبير بلفساحي


على إحدى صفحات الفيسبوك، أثار انتباهي سردية لأحد المدونين، أعجبت بطريقتها ومضمونها، حيثتحكي شيئا غير مألوف بالنسبة لنا في النصف الثاني من القرن العشرين، وحدوثه يعد غريبا، خاصة أن وقائعه حدثت في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لذلك قمت بصياغة موضع استقرائي يتضمن كل الملاحظات والأوصاف.

النص المذكور يقدم رواية مطولة حول جماعة دينية حسب الراوي، تنسب إلى شيخ يدعى محمد الزيتوني بمدينة فاس خلال أواخر السبعينات والثمانينات، ويعرضها باعتبارها أول تنظيم ديني ذي نزعة سلفية معارضة للدولة المغربية داخل المدينة. وحسب الرواية، كانت الجماعة تعيش في شكل شبه منغلق داخل رياض بالمدينة القديمة، مع اعتماد اقتصادي شبه مستقل، ورفض كامل لمؤسسات الدولة ووثائقها الإدارية، من بطاقة التعريف إلى عقود الزواج والتسجيل المدني.

الطرح يبرز أن الجماعة لم تكن في صدام مع المجتمع أو المواطنين، ولم تعرف بمحاولة فرض تصوراتها الدينية على الناس وفق ما يسرد الراوي، بل كان خلافها موجها أساسا ضد النظام السياسي وشرعية الدولة العلوية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني. كما يصور أفراد الجماعة باعتبارهم منضبطين في سلوكهم العام، محافظين على زي مغربي تقليدي، ومنغلقين على محيطهم الاجتماعي.

وتتحدث الرواية عن تصاعد نفوذ الجماعة واتساع قاعدة أتباعها، ما أدى إلى انتقال العلاقة مع السلطة من التجاهل إلى المواجهة حسب ما الراوي، بعد رفض الشيخ الزيتوني الاستجابة لطلب لقاء بالقصر. وتنتهي الحكاية بما يشبه “الغزوة” الأمنية التي شهدتها المدينة القديمة بفاس، حيث وقعت مواجهة عنيفة بين قوات الأمن وأتباع الجماعة، استخدمت فيها وسائل بدائية من طرف الجماعة مقابل تدخل أمني واسع، لينتهي الأمر بتفكيك التنظيم واعتقال قادته.

لكن، ومن باب القراءة الموضوعية دون نقص أو زيادة، من المهم الإشارة إلى أن هذه الرواية تبدو أقرب إلى شهادة ذاكرة محلية أو رواية شفوية أكثر من كونها توثيقا تاريخيا مثبتا، إذ إن المعلومات المتوفرة حول “جماعة الزيتوني” في المصادر الأكاديمية أو الأرشيف الصحفي قليلة جدا أو شبه غائبة. لذلك تبقى كثير من التفاصيل مثل عدد الضحايا، طبيعة المواجهة، حجم التنظيم، وبعض الوقائع الدقيقة، في حاجة إلى توثيق تاريخي أو شهادات متقاطعة من سكان فاس أو باحثين في تاريخ الحركات الدينية بالمغرب.

ومع ذلك، فإن النص يفتح بابا مهما للنقاش حول التيارات الدينية المعارضة للدولة في المغرب خلال الثمانينات، وكيف تعاملت السلطة مع التنظيمات الدينية الخارجة عن الشرعية السياسية، خاصة في سياق اتسم بالحساسية الأمنية والسياسية خلال تلك المرحلة.

خلاصة، النص شهادة سردية قوية عن مرحلة غامضة من تاريخ مدينة فاس، يختلط فيها التوثيق بالذاكرة الشعبية. قيمته الأساسية ليست فقط في الوقائع التي يسردها الراوي، بل في كونه يحفظ جزءا من الذاكرة المحلية غير المكتوبة، والتي تستحق البحث التاريخي والتدقيق الأكاديمي.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *