حين يصبح الشك في العدالة خطرا على الدولة فهناك أزمة ثقة في المؤسسات

رصد المغرب/


في المجتمعات التي تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، تظل الثقة في المؤسسات حجر الزاوية الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فحين يؤمن المواطن بأن القانون يطبق على الجميع دون تمييز، وأن العدالة لا تستثني أحدا مهما كانت مكانته أو نفوذه، تتعزز العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويترسخ الشعور بالمواطنة والانتماء. غير أن أخطر ما قد تواجهه أي دولة هو اهتزاز هذه الثقة، أو تحولها إلى شعور عام بالريبة والتشكيك في مبدأ المساواة أمام القانون.

لقد كشفت ردود فعل عدد كبير من المواطنين عقب تداول الحديث عن احتمال تحرك النيابة العامة وإعطاء تعليماتها للفرقة الوطنية للبحث في تصريحات أستاذة أثارت جدلا واسعا بسبب ما اعتبر إساءة أو استفزازا في حق امرأة مسنة تعيش ظروفا إنسانية صعبة، عن وجود أزمة ثقة متنامية في المؤسسات. فبدل أن يكون النقاش منصبا على المسار القانوني أو على مبدأ الاحتكام إلى العدالة، اتجهت ردود كثيرة نحو خلاصة واحدة: “لن يقع شيء لأنها محمية”. وهي عبارة تختزل حجم الشعور بالإحباط وفقدان الثقة لدى فئة من المواطنين.

هذه القناعة، سواء كانت مبنية على وقائع سابقة أو مجرد انطباعات متراكمة، تطرح سؤالا جوهريا حول صورة العدالة في الوعي الجماعي. فالمشكلة لا تكمن فقط في القضية ذاتها أو في الأشخاص المعنيين بها، بل في الرسالة التي يلتقطها المجتمع عندما يعتقد أن بعض الأفراد قد يكونون بمنأى عن المساءلة. ذلك أن الإحساس بوجود “فئة فوق القانون” يعد من أخطر المؤشرات التي تهدد تماسك الدولة الحديثة، لأنه يضرب في العمق فكرة الإنصاف التي تشكل أساس العقد الاجتماعي.

إن المرأة المسنة التي أصبحت محور هذا الجدل، بحسب ما يراه كثيرون، لا تعيش فقط ألم فقدان أعزائها بسبب الموت الذي أخد منها زوجها، أو السجن الذي غيب عنها ابنها، بل تعاني أيضا من أوضاع صحية ونفسية تجعل من بعض تصرفاتها أو تصريحاتها انعكاسا لحالة إنسانية مؤلمة أكثر منها موقفا يستحق السخرية أو الاستفزاز. ومن هنا، فإن أي خطاب يفهم على أنه استهزاء بمعاناة إنسانية، خاصة إذا تعلق الأمر بشخص مسن أو هش اجتماعيا، يثير بطبيعة الحال موجة من التعاطف الشعبي والغضب الأخلاقي.

لكن الأهم من الواقعة نفسها، هو ما أظهرته من أزمة أعمق تتعلق بمدى ثقة المواطن في حياد المؤسسات وقدرتها على التدخل دون اعتبارات أخرى. فحين يصبح الحكم المسبق لدى الناس أن العدالة لن تأخذ مجراها لأن الشخص “محمي”، فإن الأمر لا يتعلق فقط بملف معين، بل بتحول نفسي واجتماعي خطير قد يؤدي مع الوقت إلى تآكل الشرعية الرمزية للمؤسسات.

إن بناء الثقة في العدالة لا يتم عبر الخطابات وحدها، بل من خلال الممارسة اليومية وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء إشارات واضحة بأن الجميع، دون استثناء، خاضعون للقانون. فحين يرى المواطن أن المساطر القانونية تتحرك وفق معايير موحدة، وأن النفوذ أو المكانة لا يمنحان حصانة غير معلنة، فإنه يستعيد ثقته تدريجيا في المؤسسات ويؤمن بأن الإنصاف ممكن.

وفي المقابل، فإن ترك المجال لتنامي الانطباع بوجود انتقائية في تطبيق القانون، حتى وإن كان مبنيا على تصورات أو شائعات، يحمل مخاطر كبيرة. لأن الشعور بالظلم أو التمييز لا يضعف فقط العلاقة بين المواطن والمؤسسات، بل قد يغذي نزعات الإحباط واللامبالاة وفقدان الإيمان بجدوى المشاركة المجتمعية.

خلاصة كل ذلك، هو أن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس فقط وقوع أخطاء أو تجاوزات، فهذه قد تحدث في كل الأنظمة، وإنما أن يفقد المواطن ثقته في إمكانية تصحيحها عبر المؤسسات. فالدولة القوية ليست تلك التي لا تنتقد، بل التي تجعل مواطنيها يؤمنون بأن القانون فوق الجميع، وأن العدالة ليست امتيازا للبعض، بل حقا مشتركا لا استثناء فيه.

شارك المقال

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *