رصد المغرب / حاوره: إبراهيم الصغير
في 18 من ذي الحجة من كل سنة يتجدد النقاش حول واقعة غدير خم، التي يعتبرها الشيعة عيدا ثالثا، بل أفضل الأعياد، ويعتقدون أن هذه الخطبة تنص على أحقية علي -رضي الله عنه- بالخلافة و الإمامة بعد النبي صلى الله عليه و سلم.
بينما يرى المسلمون أن الخطبة لا تعدو كونها تذكيرا بفضائل علي رضي الله عنه، لمن يجهل فضله و مكانته، و دعوة لمحبته و مناصرته ضد من أظهر البغض له.
فما قصة غدير خم هاته؟ وما سبب هذه الواقعة؟ وكيف يتم فهم الحديث في ضوء القرآن والسنة؟ وكيف فهم الشيعة أن الولاية المقصودة في الحديث ولاية الحكم؟ لا ولاية المحبة والنصرة؟ وكيف يجعل الشيعة من هذه الواقعة عيدا سنويا لإعادة اجترار هذا التاريخ؟
وجعل الواقعة مناسبة للدعوة إلى التشيع من باب المظلومية التاريخية؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم ويسر الله أمركم، وجزاكم الله خيرا على بحث هذا الموضوع الهام. وللإجابة عن أسئلتكم، نحمد الله تعالى ونصلي ونسلم على الحبيب محمد وآله، نقول:
جاء هذا الحديث عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، منهم: زيد بن أرقم، وبريدة بن الحصيب، وعلي بن أبي طالب، وأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنهم، وسنورد أصح هذه الروايات مع الإعراض عن الروايات المكذوبة والباطلة والمنكرة التي يستند عليها الشيعة.
ومن أصح الروايات ما ثبت عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي». رواه مسلم في صحيحه (2408).
أما سبب حديث غدير خُمّ هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قبْل حجة الوداع أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن في قتال انتصر خالد في جهاده، وغنم غنائم، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، ويطلب إرسال من يُخمِّس تلك الغنائم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه لتلك المهمة، ثم أمره أن يدركه في الحج، وقسّم رضي الله عنه تلك الغنائم كما أمر الله: أربعةَ أخماس للمجاهدين، وخُمسًا لله والرسول وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فأخذ عليٌّ خُمس ذوي القربى -وهو سيد ذوي القربى- للنبي صلى الله عليه وسلم، فغضب بعض الصحابة كبُريدة بن الحصيب رضي الله عنه، فاشتكى بُريدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ عليه ما فعل عليٌّ، فلم يَردّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكرَّر بريدة الشكوى وما حصل من عليٍّ، فلما كانت الثالثة قال: يا رسول الله، عليٌّ فعل كذا وكذا، فقال النبي: «يا بريدة أتبغض عليًّا؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال: «لا تفعل فإن له في الخُمس أكثر من ذلك». يقول بريدة رضي الله عنه: فأحببته بعد ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تبغضه. وأصل القصة رواها البخاري (4349)، وأحمد (23086)، والبيهقي في الكبرى (6/342).
والعجيب أن هذه القصة موجودة في كتب الشيعة الإمامية أنفسهم، فقد روى أبو جعفر الطوسي في “الأمالي” (610): أن رجلاً كان باليمن فجاءه علي بن أبي طالب فقال: لأشكونك إلى رسول الله فقدم على رسول الله فسأله عن علي فشنا عليه فقال: أنشدك بالله الذي أنزل علي الكتاب واختصني بالرسالة عن سخط تقول ما تقول في علي بن أبي طالب؟
قال: نعم يا رسول الله قال: ألا تعلم أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
قال: بلى قال: “فمن كنت مولاه فعلي مولاه”.
وبالنظر إلى سبب القصة وزمانها، يمكننا أن نقول:
إن حديث الغدير كان في الثامن عشر من ذي الحجة، أي بعد نزول قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وثبت في صحيح البخاري (7268)، صحيح مسلم (3017) أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة، فكيف تكون إمامة علي رضي الله عنه من أصول الدين ولم يبلِّغها النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد إكمال الدين وإتمام النعمة بتسعة أيام؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وهذا مما يبيّن أن الذي جرى يوم الغدير لم يكن مما أمر بتبليغه، كالذي بلّغه في حجة الوداع، فإن كثيرًا من الذين حجّوا معه -أو أكثرهم- لم يرجعوا معه إلى المدينة، بل رجع أهل مكة إلى مكة، وأهل الطائف إلى الطائف، وأهل اليمن إلى اليمن، وأهل البوادي القريبة من ذاك إلى بواديهم، وإنما رجع معه أهل المدينة ومن كان قريبًا منها.
فلو كان ما ذكره يوم الغدير مما أمر بتبليغه كالذي بلّغه في الحج، لبلّغه في حجة الوداع كما بلّغ غيره، فلما لم يذكر في حجة الوداع إمامة ولا ما يتعلق بالإمامة أصلًا، ولم ينقل أحد بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه في حجة الوداع ذكر إمامة عليٍّ، بل ولا ذكر عليًّا في شيء من خطبته، وهو المجمع العام الذي أمر فيه بالتبليغ العام = عُلِم أن إمامة عليٍّ لم تكن من الدين الذي أمر بتبليغه”. [منهاج السنة النبوية 7/ 227].
استدلَّ الشيعة بحديث: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، على أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة، وزعموا أن سلمان رضي الله عنه قال: يا رسول الله، ولاء ماذا؟ فقال: (ولاء كولائي، من كنت أولى به من نفسه فعليٌّ أولى به من نفسه) وأنه ﷺ قال يومها: (عليٌّ أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن من بعدي]. بحار الأنوار، للمجلسي (17/303) وتفسير نور الثقلين (3/192) بلا سند صحيح].
وهذه الزيادة باطلةُ لا أصل لها، والمعنى الذي ذهبوا إليه غير صحيح؛ فالمولى في اللغة يُطلق على عدة معان منها: المالك، والعبد، والمُعتِق، والمُعتَق، والصاحب، والقريب، والحليف، والنزيل، والشريك، والولي، والرب، والناصر، والمُنعِم، والمُنعَم عليه، والمحب، والتابع، والصهر… وغيرها.
والمراد «بالموالاة» في الحديث: ولاء الإسلام ومودته، فالموالاة ضد المعاداة، والمقصود في الحديث: أنه ينبغي على المسلمين أن يوالوا عليًا ولا يعادوه، لما سبقت الإشارة له من حصول الخلاف بينهم، وهو في معنى قول علي رضي الله عنه: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي: أنه لا يحبُّني إلا مؤمن ولا يُبغضني إلا منافق»، أخرجه مسلم (78).
ومما يدل على أن فهم الشيعة غير صحيح، أن عليا رضوان الله وسلامه عليه والمتقدمون من السلف عترة وصحابة وتابعين أنكروا الوصية من أصلها.
فهذا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خصه بشيء من الوحي دون غيره، أو أن يكون عهد إليه بشيء من أمر الخلافة ونحو ذلك.
فقد أخرج البخاري، عَنْ أَبِي جحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” قُلْتُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟
قَالَ:” لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ “.
قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: ” العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ “.
وأخرج الإمام مسلم، من طريق عَامِر بْن وَاثِلَةَ، قَالَ: ” كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيْكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ، قَالَ: فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ: لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ.
وأخرج أصحاب السنن، من طريق قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: ” انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ، إِلَى عَلِيٍّ، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لَا، إِلا مَا فِي كِتَابِي هَذَا، قَالَ: وَكِتَابٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وعن الفضيل بن مرزوق قال سألت عمر بن علي وحسين بن علي _ عَمَّي جعفر الصادق _ قال قلت :
هل فيكم إنسان من أهل البيت أحد مفترض طاعته تعرفون له ذلك ومن لم يعرف له ذلك فمات مات ميتة جاهلية ؟
فقال : لا والله ما هذا فينا ، من قال هذا فينا فهو كذَّاب.
قال فقلت لعمر بن علي : رحمك الله إن هذه منزلة ، إنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى عليٍ وأن عليا أوصى الى الحسنِ وأن الحسنَ أوصى الى الحسينِ وأن الحسينَ أوصى الى ابنه علي بن الحسين وأن علي بن الحسين أوصى إلى ابنه محمد بن علي .
قال : والله لقد مات أبي فما أوصاني بحرفين ، مالهم قاتلهم الله ، إنْ هؤلاء إلا مُتَأَكِّلِيْنَ بِنَا .
هذا خنيس وهذا خنيس الحُرُّ وما خنيس الحُرُّ؟
قال قلت له : هذا المعلى بن خنيس .
قال : نعم المعلى بن خنيس ، والله لقد أَفْكَرْتُ على فراشي طويلا أتعجب من قوم لَبَسَ الله عز وجل عقولهم حتى أَضَلَّهُم المعلى بن خنيس .
وعن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم :
ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا .
قال : فقال له رجل: إنكم ذو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته .
فقال : ويحكم لو كان الله عز وجل نافعا بقرابة من رسوله بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منَّا أباه وأمَّه، والله إني لأخاف أن يضاعفَ للعاصي منَّا العذابُ ضعفينِ، والله إني لأرجو أن يوتى المحسنُ منَّا أجرَهُ مرتينِ .
قال ثم قال : لقد أساء بنا آباؤنا وأمهاتنا إن كان آباؤنا ما تقولون في دين الله ثم لم يخبرونا به ولم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه ، فنحن والله كنَّا أقرب منهم قرابة منكم وأوجب عليهم حقا وأحق بأن يرغِّبونا فيه منكم، ولو كان الأمرُ كمَا تقولون إن الله ورسوله اختارا عليا لهذا الامر والقيام على الناس بعده إن كان علي لأعظمَ الناسِ في ذلكَ خطيئةً وجرمًا إذ ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يقومَ فيهِ كمَا أمره أوْ يَعْذِرَ فيه إلى النَّاسِ .
قال فقال له السائل : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : (( من كنت مولاه فعلي مولاه )) ؟!
قال : أَمَا واللهِ أَنْ لو يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الإمرةَ والسلطانَ والقِيَامَ على الناسِ لأفصحَ لهم بذلك كما أفصحَ لهم بالصلاةِ والزكاةِ وصيامِ رمضانَ وحجِّ البيتِ ، ولقال لهم (( أيها الناس إن هذا وليُّ أمركم من بعدي فاسمعوا له واطيعوا )) فما كان من وراءِ هذا شيئا فإنَّ أنصحَ الناسِ كانَ للمسلمينَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
وأول من احتفل بعيد الغدير هو: معز الدولة بن بويه في سنة 352هـ ببغداد.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في “العبر في خبر من غبر”(2/90) في حوادث سنة 352هـ: “في ثامن عشر ذي الحجة عملت الرافضة عيد الغدير ـ خم – ودقت الكُوسات وصلوا بالصحراء صلاة العيد”.
وقال المقريزي في “الخطط”(1/388): “اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيداً مشروعاً ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة علي بن بويه، فإنه أحدثه في سنة 352هـ، فاتخذه الشيعة من حينئذٍ عيداً.
والمؤسف أن الزيدية لم يكونوا يحتفلون بهذا العيد المبتدع إلا في هذا الزمان الذي تشبهوا فيه بالإمامية الذين تذمهم كتبهم وتقول فيهم قولا عظيما.
وأخيرا، يتبين أن ان قصة الغدير كانت لبيان فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفضل عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا علاقة لها بالخلافة ولا الإمامة، ولم يحتفل بها المسلمون، حتى اخترع العيد ضلال البويهيين لنشر ضلالاتهم لأهداف سياسية لا علاقة لها بآل البيت ولا حبهم.
شارك المقال























Leave a Reply